مجتمعون حوله كربيضة الغنم . ولولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كضّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقى حبلها على غاربها [1] . فلم يجد مناصاً من القيام بالأمر . وقد سار بالمسلمين على المحجّة البيضاء وسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خمس سنين وأشهراً ممتحناً بجهاد المنافقين من الناكثين والقاسطين والمارقين [2] ، وفي الأيّام الأول من عهده نقل مركز حكومته ( عليه السلام ) من المدينة إلى الكوفة [3] . وقد تخلّلت فترة حكومته ( عليه السلام ) ثلاثة حروب خطيرة هي : الجمل مع الناكثين ، وصفين مع القاسطين ، والنهروان مع المارقين [4] . وصار حكمه ( عليه السلام ) مضرب المثل في القسط والعدل والانصاف والمساواة ، ونموذجاً فذّاً لم يتكرّر في التأريخ [1] .
[1] راجع : الخطبة الشقشقية في نهج البلاغة : الخطبة 3 . شرح ابن أبي الحديد 1 : 202 . [2] الارشاد للمفيد 1 : 9 . [3] الكليني والكافي : 71 . [4] شرح الأخبار 1 : 114 . وانظر فيض القدير شرح الجامع الصغير 4 : 469 . [1] ولنذكر شيئاً من صفته : فقد حفلت الكتب من الفريقين بنقل صفاته الفاضلة ، ومما قيل في ذلك ما وصفه به ضرار بعد مقتله ( عليه السلام ) عندما طلب منه معاوية ذلك وأصرّ وأقسم عليه ، فقال ضرار : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه منّا وقربه منا لا نكلّمه هيبة له ، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا يا ربّنا - يتضرّع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليكِ عني يا دنيا غرّي غيري ، أبي تعرّضتِ أم إليّ تشوقت ، هيهات هيهات قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وخطرك كبير ، وعيشك حقير . ثم قال ( عليه السلام ) : آه آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . فبكى معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك . ( حلية الأولياء 1 : 84 - 85 . ذخائر العقبى : 100 . كشف الغطاء 1 : 118 ) .