وكذا الحال بالنسبة إلى صنف خاصّ منهم كالنصّاب ، فإنّهم كانوا في مدّة دولة بني أميّة لعنة اللَّه عليهم ذوي شوكة واقتدار ، فلهذا وقعت تلك المزاوجات المذكورة مع وضوح أنّه لم يكن هناك خوف شخصي من ترك مزاوجة بعضهم ، كما في قضيّة مصعب وعبد اللَّه ، فهو من قبيل هذا القسم الثاني من التقيّة الذي قلنا إنّه لا يعتبر فيه عدم المندوحة ، ومن المعلوم أنّ تلك الأزمنة كانت أزمنة شوكة هذه الفرقة الضالَّة . وبهذا يسهّل الخطب في بعض الروايات التي وردت بطلاق الناصبيّة التي كانت تحت أبي جعفر الباقر عليه السّلام [1] إذ لعلَّه كان في زمن دولة بني أميّة . نعم ما اشتمل منها على طلاق الخارجيّة التي كانت تحته لا يقبل هذا المعنى إذ الخوارج لم يتحقّق لهم شوكة بعد قضيّة النهروان . والحاصل أنّ النصّاب كانوا في تلك الأزمنة كسائر المخالفين موردا لتلك التقيّة الواسعة ، ولهذا جازت مناكحتهم وحضور جماعتهم ، بل لعلَّه كان ذلك مرغوبا فيه ، وأمّا بعد انقراض دولتهم - والحمد للَّه - خرجوا عن هذا الحكم ، ففي هذه الأزمنة التي لا يوجد منهم شخص واحد لو فرض نادرا وجود شخص يحكم بفساد مناكحته على ما هو مقتضى القاعدة ، كما أنّ سائر أقسام المخالفين لو فرض زوال سلطنتهم ما كان دليل على إعمال هذه التقيّة معهم . فالصلاة مع التكفير في جماعتهم لا دليل على جوازه وإجزائه مع ثبوت المندوحة ، فهم وسائر الناس في عرض واحد في أنّه متى تحقّقت التقيّة بالمعنى الأوّل تحقّق الرخصة التكليفيّة لا الوضعيّة ، وإلَّا فلا . هذا تمام الكلام في اعتبار الإسلام في الكفاءة ، وعدم اعتبار الإيمان .
[1] الوسائل : كتاب النكاح ، الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ، الحديث 6 .