مراتب ، ومن المعلوم انتفاؤها في المقام ؛ إذ ليس للطهارة الشرعيّة المعتبرة في الصلاة - بالنسبة إلى الثوب والبدن أفراد ولا أجزاء ولا مراتب ، كما لا يخفى . وتحقيق الكلام في موضعه [1] .
[1] لا بأس بالإشارة إلى هذه القواعد الثلاث ومقدار دلالة أدلَّتها ؛ ليظهر حال الاستدلال بها للمقام ، فنقول : أمّا النبوي فقد رواه مرسلًا في " الكفاية " ] = أكفاية الأُصول : 420 421 . [ مصدّراً بهذا الصدر ، وهو أنّه خطب رسول اللَّه ( صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ) فقال : " إنّ اللَّه كتب عليكم الحجّ ، فقام عكاشة - ويروى سراقة بن مالك فقال : في كلّ عام يا رسول اللَّه ؟ فأعرض عنه حتّى أعاد مرّتين أو ثلاثاً ، فقال ( صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ) : ويحك وما يؤمنك أن أقول : نعم ؟ ! واللَّه لو قلت : نعم ، لوجب ، ولو وجب ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم ، فاتركوني ما تُركتم ، وإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم إلى أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " . وقد رواه في محكيّ " العوالي " ] = عوالي اللآلي 4 : 58 / 207 . [ من دون ذاك الصدر ، كما أنّه قد روى الصدر من دون هذا القول مع اختلاف يسير . وكيف كان ، فيحتمل أن يكون المراد بالشيء هي الطبيعة التي لها أفراد ومصاديق ، كما أنّه يحتمل أن يكون المراد هي الطبيعة المركّبة من أجزاء ، ويحتمل ثالث ، وهو أن يكون المراد به الأعمّ منهما ، كما هو ظاهر لفظ الشيء ، فإنّه من الألفاظ العامّة . والاحتمالات المتصوّرة في قوله : " منه " أيضاً ثلاثة : كونها بمعنى التبعيض ، أو بمعنى الباء ، أو بيانيّة . كما أنّه يحتمل أن تكون كلمة " ما " موصولة ، وأن تكون مصدريّة زمانيّة . والأظهر من بين هذه الاحتمالات : هو أن يكون المراد بالشيء معناه الظاهر ، الذي يكون أعمّ من الطبيعة البسيطة ذات الأفراد والمصاديق ، ومن الطبيعة المركّبة ذات الأبعاض والأجزاء . كما أنّ الأظهر أن تكون " من " للتبعيض ؛ لأنّ كونها بمعنى الباء مطلقاً ، أو بيانيّة في خصوص المقام ، بعيد ، بل لا معنى لكونها بيانيّة هنا ، كما هو ظاهر . ثمّ إنّ التبعيض لا ينافي كون الشيء أعمّ من الطبيعة ذات الأفراد ؛ بدعوى أنّ التبعيض ظاهر في الطبيعة المركّبة ، فإنّا نمنع أن تكون كلمة " من " مرادفة للتبعيض ؛ بحيث تستعمل مكان ذلك المفهوم ، بل الظاهر أنّ معناها هو الذي يعبّر عنه في الفارسيّة ب " از " . نعم لا مجال للإشكال في اعتبار نحوٍ من الاقتطاع في معناها ، ولكنّه لا ينافي صحّة استعمالها في الطبيعة بالإضافة إلى أفرادها ، فإنّها بنظر العرف كأنّها جزء من الطبيعة منشعب منها . وأمّا كلمة " ما " فاستعمالها موصولة وإن كان شائعاً - بل أكثر إلَّا أنّ الظاهر كونها في المقام زمانيّة ، خصوصاً بملاحظة الصدر ؛ إذ لو كانت موصولة يصير المعنى : أنّه لو أمرتكم بطبيعة فأتوا منها ما استطعتم من أفرادها ، مع أنّ ذكره إنّما هو لبيان نفي وجوب الحجّ في كلّ عام ، الذي توهّمه عكاشة أو سراقة ، بل يكون ذلك مخالفاً للضرورة والإجماع في أكثر الواجبات ، فلا بدّ أن تكون مصدريّة زمانيّة ، فيصير المعنى : أنّه إذا أمرتكم بالطبيعة ذات الأفراد أو الأجزاء ، فأتوا من تلك الأفراد أو الأجزاء زمان الاستطاعة ، ففي الحقيقة يرجع ذلك إلى ما يحكم به العرف والعقلاء في مقدار امتثال الأمر الوجوبي . هذا ما أفاده سيّدنا العلَّامة الأُستاذ ( قدّس سرّه ) . ولكنّه لا يخفى أنّ التكلَّم في المراد من النبوي : تارة يقع فيه من حيث هو مع قطع النظر عن ذلك الصدر ، وأُخرى مع ملاحظته ، فنقول : أمّا الكلام فيه من حيث هو : فلا يخفى أنّ لفظ الشيء وإن كان عامّاً ، شاملًا للطبيعة التي لها أفراد ومصاديق والطبيعة التي لها أجزاء وأبعاض ، إلَّا أنّ الجمع بين كون كلمة " من " بمعنى التبعيض وكون كلمة " ما " مصدريّة زمانيّة ، لا يستقيم مطلقاً ، فإنّه يصير معناه بناء على ذلك : أنّه إذا أمرتكم بطبيعة ذات أفراد فأتوا من هذه الطبيعة زمان الاستطاعة . كما أنّه لا يستقيم في الطبيعة ذات الأجزاء أيضاً ، فإنّه يصير معناه إذا أمرتكم بطبيعة مركّبة فأتوا من أجزائها زمان الاستطاعة . فالتبعيض لا يلائم إلَّا مع كون كلمة " ما " موصولة ، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام . نعم لو كانت كلمة " من " بمعنى الباء لكانت ملائمة مع حمل كلمة " ما " على الزمانيّة ، بل لا بدّ من حملها عليها بناء على هذا . وحينئذٍ فنقول : إنّ " ما " موصولة ، كما هو الشائع فيها ، وكلمة " من " للتبعيض ، كما هو الشائع فيها أيضاً ، بل هو معناها . نعم حمل الشيء على عمومه وإبقاؤه عليه ينافي ذلك ، فيرفع اليد عن العموم ، فيصير معنى الرواية : أنّه إذا أمرتكم بطبيعة مركّبة فأتوا من أجزائها ما استطعتم منها . ويؤيّده : استدلال كثير منهم بهذه القاعدة لوجوب الإتيان بالأجزاء بعد تعذّر بعضها . وأمّا الكلام فيه مع ملاحظة الصدر المذكور فنقول : إنّ الظاهر بملاحظة قوله ( صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ) : " ولو وجب ما استطعتم ، ولو تركتم لكفرتم " ، أنّ المراد به وجوب الإتيان بالطبيعة المأمور بها زمان الاستطاعة ، فيكون المراد نفي الوجوب عند عدمها ، ولا تعرض له للمقدار الواجب من الأفراد أو الأجزاء ، بل يكون المقصود مجرّد اختصاص وجوب الامتثال بزمان الاستطاعة ونفيه عند عدمها . هذا تمام الكلام في هذه القاعدة التي اشتهر التمسّك بها وبأُختيها في ألسنة المتأخّرين فقط . ومنه يظهر : عدم كون الشهرة جابرة لإرسالها ؛ لأنّ الشهرة الجابرة هي الشهرة بين القدماء من الأصحاب - رضوان اللَّه عليهم أجمعين كما حقّق في محلَّه ] = تهذيب الأُصول 2 : 100 103 [ . وأمّا قوله ( عليه السّلام ) في العلوي : " ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترك كلُّه " ] . = عوالي اللآلي 4 : 58 / 207 . [ فالظاهر من كلمة " كلّ " وإن كان هو الكلّ المجموعي إلَّا أنّه لا يستفاد منه الوجوب ؛ لأنّ القاعدة تجري في المندوبات أيضاً ، وعليه فيكون المراد بقوله : " لا يترك " هو مطلق مرجوحيّة الترك ، كما لا يخفى . وأمّا قوله ( عليه السّلام ) : في العلوي أيضاً : " الميسور لا يسقط بالمعسور " ] = عوالي اللآلي 4 : 58 / 205 . [ فيحتمل أن يكون المراد به : أنّ الميسور من أفراد الطبيعة لا يسقط بمعسورها ، ويحتمل أن يكون المراد به : أنّ الميسور من أجزاء الطبيعة المركّبة لا يسقط بالمعسور من أجزائها . ثمّ إنّ التعبير بالسقوط يدلّ على الثبوت في محلّ مرتفع ؛ إذ بدونه لا يصدق عليه السقوط ، ونفي السقوط عن نفس الميسور - كما هو ظاهر العبارة الظاهر في ثبوته بنفسه ، إنّما هو لكونه ثابتاً على ذمّة المكلَّف ، كما ورد في بعض الأخبار التعبير عن الصلاة : بأنّها دَين اللَّه ] = الفقيه 2 : 195 / 884 ، ذكرى الشيعة : 75 ، بحار الأنوار 85 : 315 ، وسائل الشيعة 8 : 282 ، كتاب الصلاة ، أبواب قضاء الصلاة ، الباب 12 ، الحديث 26 . [ فإنّ هذا التعبير ونظائره ، ظاهر في ثبوتها بنفسها في ذمّة المكلَّف وعلى عُهدته ، بل نقول : إنّ الثابت على الذمّة لا يعقل أن يكون غير الواجب ، فإنّ الحكم الذي هو الوجوب عبارة عن نفس الثبوت على الذمّة ، ولا يعقل أن يكون الثبوت عين الثابت ، كما هو واضح . وبالجملة : فالرواية ظاهرة في نفي سقوط الميسور بنفسه ، وهذا المعنى لا ينافي احتمال كون المراد منها هو الميسور والمعسور من الأجزاء . وجه توهّم المنافاة : أنّ الميسور من الأجزاء لم يكن ثابتاً على الذمّة أصلًا ؛ حتّى لا يسقط بالمعسور منها ، بل الثابت إنّما هو مجموع الأجزاء الذي هو عبارة عن الكلّ ، ولا معنى لبقائه بعد كونه معسوراً . بيان عدم المنافاة : أنّ الميسور من الأجزاء وإن لم يكن ثابتاً على الذمّة بنفسه مستقلا ، إلَّا أنّه ثابت عليها بتبع ثبوت الكلّ ، وهذا المقدار يكفي في استناد عدم السقوط إليه ، كما هو ظاهر . ثمّ إنّه ربما يشترط في وجوب الإتيان بالأجزاء الميسورة كونها بمقدار يصدق عليها أنّها ميسور الطبيعة بمعنى صدق الطبيعة عليها . ولكنّه لا يخفى أنّ هذا الاشتراط إنّما يتمّ لو كان المراد من قاعدة الميسور هو الاحتمال الأوّل ، الذي يرجع إلى الميسور من أفراد الطبيعة ؛ لأنّ الطبيعة لا بدّ وأن تصدق على أفرادها ، فلو فرض عدم صدقها على بعض الأشياء لما وجب الإتيان به ؛ نظراً إلى هذه القاعدة . وأمّا لو كان المراد به هو الاحتمال الثاني ، فلا وجه لذلك الاشتراط أصلًا ، كما أنّ القاعدة الثانية المتقدّمة تعمّ الجميع وتنافي الاشتراط . وأمّا القاعدة الأولى فلو كان المراد منها : أنّه إذا أمرتكم بطبيعة ذات أفراد فأتوا بها ما استطعتم من أفرادها ، فللاشتراط وجه ، بخلاف سائر الاحتمالات ، فتدبّر . إذا عرفت ما ذكرنا علمت : أنّ القواعد الثلاث كلَّها بعيدة عن المقام بمراحل ؛ لأنّ الطهارة المعتبرة في الصلاة ليست بمعنى النظافة العرفيّة حتّى يتصوّر لها مراتب ، ثمّ يتصوّر لها الميسور والمعسور ، بل أمرها دائر بين الوجود والعدم لا يتعقل لها أجزاء ومراتب وأفراد ومصاديق ، فإنّ الثوب والبدن إمّا أن يكونا طاهرين ، وإمّا أن لا يكونا كذلك شرعاً ، وهذا واضح جدّاً . ثمّ إنّ الجواب عن الاستدلال بما ذكر ، إنّما هو بعد تسليم إمكان كون الطهارة شرطاً للصلاة ، وإلَّا فلو قلنا باستحالته لما عرفت : من أنّ الطهارة الخبثيّة ليست أمراً وجودياً ، بل تكون من الأُمور العدميّة . والعدم لا يُعقل أن يكون مؤثّراً في الوجود ، فلا بدّ أن تكون النجاسة مانعة ، لا أنّ الطهارة شرطاً ، فعدم جريان القواعد - حينئذٍ أظهر من أن يخفى على أحد ، بعد وضوح كون مجراها هو خصوص الواجبات ، أو الأعمّ منها ومن المستحبّات ، فتأمّل جيّداً ، [ المقرر دام ظلَّه ] .