أقول : لا إشكال في عدم إطلاق الماء الجاري على الماء الخارج من الإبريق اتّفاقاً . نعم يقال : الماء جارٍ منه ، باعتبار معناه الحَدَثي ، ولا يقال : الماء الجاري ، وهذا يدلّ على عدم كون هذا المشتقّ تابعاً لفعله في الإطلاق ، بل يعتبر فيه خصوصيّة زائدة ، كإطلاق التاجر - مثلًا فإنّه لا يقال لمن صدرت منه التجارة دفعة ؛ من دون أن يتّخذها حرفة وصنعة : إنّه تاجر ، بل يعتبر في صدقه اشتغاله بالتجارة بحيث صارت حرفة له . وبالجملة : المشتقّات على قسمين : قسم يصحّ إطلاقه بمجرّد تحقّق مبدئه وحدوثه من الفاعل ، كالضارب والقاتل ونحوهما . وقسم لا يكفي مجرّد حدوث المبدأ وصدوره في صحّة جريه وإطلاقه ، كمثال التاجر ، والظاهر أنّ عنوان الجاري في المقام من هذا القبيل ؛ إذ يصحّ - كما عرفت أن يقال : جرى الماء من الإبريق ، ولا يصحّ أن يقال : إنّه الماء الجاري ، كما يظهر بمراجعة العرف . وحينئذٍ فهل يعتبر في صدقه النبوع من الأرض والسيلان بالفعل ، كما عرفت من " الجواهر " ، أو يعتبر أن يكون له مادّة مع الجريان [1] ؛ سواء كانت مادّته تحت الأرض كالعيون ، أو فوق الأرض كالماء الجاري على الأرض ، الحاصل من ذوبان الثلج على الجبال ، أو يعتبر فيه النبع من الأرض ؛ سواء كان جارياً على الأرض أم لم يكن كذلك ، كما عرفت من " المسالك " ، بل يظهر من بعضهم أنّه المشهور بينهم [2] ؟
[1] الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 1 : 69 . [2] انظر الروضة البهيّة 1 : 252 ، مستمسك العروة الوثقى 1 : 131 .