وأمّا المقام الثاني : إنّ الجريان مأخوذ في مادة لفظ الجاري فهو يدل على ذلك بحسب اللغة . وأمّا المادة بمعنى النبع عن الأرض فلا يعتبر في صدقه . نعم يعتبر فيه المادة بمعنى أن يكون له استمرار الجريان عرفا ، فماء الكوز إذا أجري على الأرض فلفظ الجاري لا يصدق وإن صدق سائر المشتقات . وأمّا الماء الذي يجري من ذوبان الثلج الكثير الذي له شأنية الجريان إلى شهر ، فلا نسلَّم فرقا بينه وبين ما يجري من المادة النابعة ، فكما يصدق الجاري على الثاني من غير فرق بين كثيره وقليله كما في أوّل زمان خروجه ، فكذا على الأوّل من غير فرق بين كثيره وقليله كما في أوّل زمان ذوبانه . وهكذا الكلام في الساقية المتصلة ونحوها . نعم هنا أفراد مخفيّة أيضا مثل ما هو مرسوم في بلاد العرب من سقي الزراعات بالدلاء ، بحيث يجري ساقية من ماء في مدّة طويلة ، وكما يعمل في بلاد العجم من جذب الماء بما يسمى « ترنبه » على فرض انفصال الماء وعدم اتصاله . وأمّا المقام الثالث : فاعلم أنّ شيخنا المرتضى ذكر ما حاصله : أنّ مورد التعارض وهو الماء القليل الجاري لو عمل فيه بأخبار الجاري ، يلزم إخراج مطلق الماء الجاري عن أدلَّة اعتبار الكرّية ، ولو عمل فيه بأدلَّة الكرّية يلزم خروج هذا الفرد وهو القليل الجاري عن أدلَّة الجاري ، وحيث إنّ الثاني تقييد بالفرد النادرة لندرة القليل الجاري ، والأوّل تقييد بالفرد الشائع المتعارف وهو المياه الجارية ، فالمقدّم تقييد أدلَّة الجاري بالقليل الجاري .