وإذن فكون المعاد الجسماني من ضروريات هذا الدين ، بل جميع الأديان من أوّل تأسيس كلّ دين ممّا لا ينبغي الارتياب فيه . نعم خصوص أنّ الذي يعاد هو هذا الجسم الموجود في الدنيا على ما هو عليه من الكثافات بدون تغيير أصلا ، أو أنّه يتغيّر هذا الجسم ويصير مناسبا لعالم البرزخ فيصير ألطف من عالم الدنيا ، وفي عالم القيامة يصير ألطف من البرزخ ، وبالجملة يصير في كلّ عالم بما هو من سنخ هذا العالم ومناسبة من اللطافة والكثافة ، فكلّ من هذين ممّا أمكن القول به ، وليس ادّعاء شيء منهما إنكارا للضروري ، بل إثبات كلّ واحد والشكّ والتردّد بينهما خال عن المحذور . وبالجملة : فالقدر المتيقّن ثبوته من الآيات والأخبار هو المعاد المقيّد بالجسماني ، والذي جاء به النبي بل جميع الأنبياء هذا المقيّد بقيده ، ولكنّه مع ذلك يمكن التفكيك بين أصل المقيّد وقيده في الحكم العقلي . وتوضيح ذلك أنّه لا إشكال في أنّ أصل المعاد من أركان الدين بحكم العقل ، كاعتقاد الربوبيّة والنبوّة ، فلا بدّ في تحقّق الإسلام الاعتقاد بالربوبيّة والنبوّة ومعاد ما ، بل هذا أعظم من هذين ، فإنّ الغرض الأصلي من هذين إنّما يحصل بهذا ، إذ لو لا المعاد رأسا لبطل الغرض من بعث الرسل ، وإنزال الكتب ، وتشريع التكاليف ، وأمّا خصوصيّة القيد وهو الجسمانيّة فلا يستقلّ العقل بإثباته وتقوّم الدين به . فالدليل في كون منكر هذا القيد كمنكر الأصل ، وأنّ اعتقاد القيد كاعتقاد الأصل له موضوعيّة وركنيّة ينحصر في التعبّد ، كأن قام الدليل على أنّ الإسلام يتحقّق بالتوحيد والنبوة والمعاد الجسماني ، أو ما يفيد هذا المعنى ، ولكن لم يرد بهذا