وإن قلنا بالثاني وأنّه لا مدخليّة للاعتقاد المذكور فلا يحكم بكفره ، وذلك لأنّ الثابت بالأخبار في باب إنكار الضروري هو ارتكاب الحرام بعنوان أنّه حلال ، وبعبارة أخرى : العزم القلبي على خلاف الضرورة هو الذي يستفاد من أخبار هذا الباب ، من غير فرق بين كون العازم شاكَّا ، أو قاطعا بالخلاف ، أو قاطعا على طبق عزمه ، وأمّا من كان شاكا في الضروري بالمعنى المذكور ، أعني : الشكّ في المراد مع خلوّه عن العزم على الخلاف ، فلا دليل على كفره ونجاسته . فالعمدة تحقيق أنّ معاد الجسماني من قبيل الألوهيّة والنبوّة ، كما اشتهر من أنّ أصول الدين هذه الثلاثة أو أنّه من جملة الضروريّات ؟ فنقول : لا شكّ ولا ريب في أنّ مع تتبّع الآيات مثل قوله تعالى : « مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » [1] وغيره وكذا الأخبار ، يقطع بأنّ تحمّل المشاقّ في تبليغ المعاد في هذا الدين والأديان الماضية ، والمحاجّة والمنازعة بين الأنبياء - عليهم السلام - وأممهم ليس إلَّا في موضوع المعاد بمعنى عودة هذا الجسم بتمام كيفياته وهيئاته ، وأنّ غرض الأنبياء كان إدخال هذا المعنى في أذهان الأمّة ، ولبعده عن أذهانهم وقع ما وقع من المشاقّ ، والسؤالات والجوابات ، وإلَّا فلو كان مدّعى الأنبياء عودة الروح فقط فهذا لم يكن أمرا تأبى عن قبوله الطباع ، ولمّا استشكل القوم بقولهم : « مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ » ولمّا أجاب الرسول على تقدير الإشكال بقوله : « يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ » بل يقول : أخطأتم في فهم مرادي وليس مدّعاي كما زعمتم بل هو عودة الروح دون الجسم .