بكلا الوجهين في تحقّق موضوع الإكراه أو حكمه ، أو لا يعتبر ؟ أو يعتبر عدم إمكانه بالوجه الأوّل دون الثاني ؟ الحقّ هو التفصيل . والدليل على اعتبار عدم إمكانه بالوجه الأوّل هو أنّه لا شكّ في أنّه يعتبر في صدق عنوان الإكراه أن يكون الداعي إلى الفعل دفع الضرر المتوعّد به على الترك ، وهذا لا يتحقّق إلَّا مع عدم المندوحة ، وأمّا معها ، فليس الداعي هو دفع الضرر فقط ، إذ هو كما يمكن بالفعل يمكن بإعمال المندوحة أيضا - كالخروج عن المكان في المثال - فلا محالة يكون الداعي مركَّبا من دفع الضرر وميل النفس إلى الفعل دون إعمال المندوحة للتكاسل عنه ونحوه . وأمّا وجه عدم الاعتبار في الثاني ، فهو أنّ التورية ليست بمندوحة ، ولا يتفصّى بها عن شيء ، وذلك لأنّ المكره يريد صدور السبب الشرعيّ لحصول الملك له عن المالك ، وهذا يتحقّق بالتلفظ بالصيغة ، فيكون أحد الجزأين وهو اللفظ محرزا بالحسّ ، والآخر وهو القصد بالأصل العقلائي الجاري في كل كلام صادر عن عاقل مختار ، ومن المعلوم أنّ هذا لا يفرق فيه بين التورية وعدمها ، فإنّ التورية أمر قلبي لا ربط له بعالم الدلالة وظهور اللفظ ، فمقصود المكره في كلا الحالين حاصل ، فالتورية لا يترتّب عليها ثمرة أصلا ، أمّا في مرحلة الظاهر فلما عرفت من عدم الفرق بين وجودها وعدمها في حصول السبب الظاهري للملك ، وأمّا في مرحلة الواقع ، فلعدم الفرق أيضا بينهما في عدم حصول الانتقال ، فكما أنّه لا يحصل الانتقال في صورة التورية لعدم البيع ، فكذا في صورة عدمها لأدلَّة الإكراه . ومن هنا ، يظهر أنّه لو أكره على إظهار الكلمات الشنيعة فلا دليل على وجوب التورية ، إذ القبيح هو التلفظ بألفاظ يكون ظاهرها عرفا هو المعاني