وإن كان مرتكبا للفاسد لأجل دفع الأفسد ، لكنّه فاعل مستقلّ في فعله ، ومتحرّك بسلطان عقله وأمره ونهيه ، وهذا بخلاف المكره ، فإنّه بايع لإرادة غيره وليس له إرادة أصلا إلَّا عن صرف الوهم ، فحاله حال الحيوان ، فإنّه يعمل لصاحبه ويتحرّك بإرادته لخوف ضربه ، فالفاعل المستقل المدبر هو الصاحب وليس الحيوان إلَّا صرف الآلة ، وذلك لأنّ فعله ليس عن رويّة وفكر وترتيب الصغرى والكبرى ، وملاحظة أنّه لو لم يتحمّل مشقّة الفعل وقع فيما هو أشدّ منه ، من ألم الضرب ، بل هو تابع صرف لإرادة صاحبه وإشارته ، من دون أن يكون له استقلال وتدبير أصلا ، وهكذا المكره ، فإنّه متحرّك نحو الفعل لخوف سيف المكره ، من دون أن يكون في هذا الحال مراعيا لغايات العمل . ولكن الإنصاف أنّه مختار في عمله حيث يرجّحه على القتل . نعم يمكن أن يقال : إنّ المعتبر في حقيقة طيب النفس أن يكون العمل صادرا لا عن أمر آمر قاهر ، فلا يصدق عرفا فيما إذا كان كذلك أنّ العامل طيّب النفس وإن كان الرضا الثانوي منه متحقّقا ، وهذا بخلاف المضطر ، إذ يقال عرفا : إنّه طاب نفسه ببيع داره لغاية احتياجه ، فيكون الرضا أعمّ من طيب النفس مطلقا ، ولهذا يمكن التمسّك على فساد بيع المكره بدليل اشتراط طيب النفس ، وكذا بآية التجارة عن تراض ، فإنّ المتبادر منه عرفا أن لا يكون البيع بحمل الغير وقهره وإن كان لحاجة وضرورة . وأمّا حديث الرفع ، فقد عرفت تماميّة التمسّك به لرفع الأثر عن بيع المكره ، على ما مر من شموله لجميع الآثار ، وأمّا وجه عدم جريانه في بيع المضطرّ مع كون عنوانه مذكورا فيه ، ومعلوميّة أنّ المعنى الواحد يكون مرفوعا بالنسبة إلى جميع العناوين فلا يكون المرفوع في بعضها بعض الآثار وفي بعضها تمامها ، فإذا ثبت