التاريخ ؟ وأنّ العمومات الأوّليّة ، هل تشمل هذا الفرض أم لا ؟ فأقول : مع وجود " دار الندوة " في مكّة المكرّمة وامتلاكها سلطة الحكومة في المجتمع يوم ذاك ، هو أمر لا ينبغي لأحد أن يشكّك في أنّه كان واقعاً ملء العين والبصر . وأنّ فيما حدث في قضيّة الحكمين ، بعد وقعة صفّين ، تلك التي أملت على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، أن يُعيّن أبا موسى الأشعريّ مبعوثاً من قبله للنظر في التحكيم ، كما أنّ المهديّ العباسي فوّض القضاء لاثنين معاً وأشرك بينهما على قضاء البصرة فكانا يجتمعان في المجلس وينظران جميعاً بين الناس [1] . فما وقع في التاريخ لهو الدليل الواضح على صحّة ما نذهب إليه من صحّة هذا الاعتبار ومعقوليّته ووقوعه في القضاء الذي هو من الأمور الإضافيّة ، بل ويضاف إلى ما مرّ أنّ في كلّ من رواية عمر بن حنظلة ، وداود بن الحصين ، وموسى بن أكيل قد فرض أنّ كلاًّ من طرفي الدعوى ، اختار شخصاً ينوب عنه وأنّ المجموع ، عليهم أن ينظروا في الدعوى ويعملوا بما اتّفقوا عليه في مورد الاتّفاق . وأمّا في صورة عدم الاتّفاق فيُرجّح أحدهم على الآخر ، بحسب الضوابط التي ذكرت في الروايات . لذا فإنّ في مثل هذه الروايات ، يجد الباحث خير شاهد على أنّ القضاء الجمعي المشترك هو ممّا ليس فيه إشكال عقليّ ولا شرعيّ . ولو قيل : إنّ تلك الروايات إنّما هي معنيّة بقاضي التحكيم لا القاضي المنصوب ، قلنا : لا فرق من هذه الجهة بين القاضيين . فبناءاً على ما سبق ، لا تتمّ أدلّة عدم الجواز ، وخاصّة الثالث منها فإنّه لا يتمّ له مفادّه ولا مُدّعاه بل ، والدليل الواضح على عدم تماميّتها من جهة ثانية ، هو أنّ المعروف المتداول بين مختلف المجتمعات البشريّة خصوصاً العالميّة منها أنّ القضاء الفرديّ إمّا معدوم ، وإمّا نادر جدّاً .