ولا يفرطه جور الظلم ولا تشرف نفسه على الطمع ولا يدخل في إعجاب ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، أوقفهم عند الشبهة ، وآخذهم لنفسه بالحجّة ، وأقلّهم تبرّماً من تردّد الحجج ، وأصبرهم على كشف الأمور وإيضاح الخصمين ولا يستميله الإغراء ، ولا يأخذ فيه التبليغ بأن يقال : قال فلان وقال فلان ، فولّ القضاء من كان كذلك . " [1] 9 - وقد استند علماء السنّة في أصول الحكم وآدابه إلى رسالة نقلوها عن عمر إلى أبي موسى الأشعري وإن حاول بعض العلماء التشكيك في صحّة الكتاب من ناحية السند والرواية . [2] أقول : أهمّ هذه الأوصاف والآداب لعلّه كان أربعة أمور وهي أوّلاً أن يحكم القاضي بالعدل والقسط وأن يكون في مشيه ونظره وكلامه مع الخصمين مراعياً للقسط والعدل . وثانياً أن يكون متيناً وقويّاً من غير عنف وليّناً في غير ضعف ، وأن يكون ذا شخصيّة قويّة لا يغترّ بالثناء ولا يخشى من اللوم والمؤاخذة ، ويكون بعيداً من الخوف والوجل ، قانعاً بما رزقه الله ، عفيفاً ، حليماً ، ذا مروءة وحريصاً على التقوى . وثالثاً أن تكون حياته مع الناس مهتمّاً بهم في غمومهم وسرورهم ، يحضر جنائزهم ويجيب ولائهم ويعود مرضاهم . ورابعاً ، أن تنظّم أمور القضاء بأحسن انتظام ، مثل أن يطلب من يسأله عمّا يحتاج إليه في أمور بلده وأن يسكن في وسط البلد وأن ينادى بقدومه ومثلها . قال الشيخ ( رحمه الله ) : " فإذا دعي القاضي إلى وليمة استحبّ له أن يحضرها ، لما روي أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : " لو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إليّ كراع لقبلت " . . . فإن كثرت الولايم وازدحمت تخلّف عن الكلّ ، لأنّ القضاء قد تعيّن عليه . . . ويعود المرضى ويشهد
[1] راجع : مستدرك الوسائل الباب 1 من أبواب آداب القاضي ، ح 2 ، ج 17 ، صص 348 و 349 وهذا النقل قد يختلف عن نقل نهج البلاغة فراجع : الكتاب 53 ، ص 434 . [2] فراجع : الأحكام السلطانية لأبي يعلى ، ص 67 - الأحكام السلطانية للماوردي ، ص 71 - القضاء والعرف في الإسلام ، ص 116 .