< فهرس الموضوعات > الفصل الثالث في النبوّة < / فهرس الموضوعات > الفصل الثالث في النبوّة اعلم أنك بعد أن تعتقد أن الله تعالى لا يجور ، حكيم بعباده ، لا يفعل بعباده إلَّا الأصلح ، وقد خلق الخلق لا لحاجة به لهم ، بل ليجود عليهم فإنه الجواد الكريم بذاته ، ولا يناسب ذاته نعيم الدنيا ؛ فإنه منقطع كما هو مشاهد محسوس وجُود الله لا ينقطع ، ولمّا كان جود الله الدائم إنما يكون في الآخرة ؛ لأنها لا تفنى ولا تتغيّر ، وذلك الجود الدائم والحياة الطيّبة لا تدرك للعباد ولا ينالونها إلَّا بمعرفة الله وعبادته . وقد خلق الله البشر في أوّل ولادته لا يعلم شيئاً ، عدلًا منه ورحمة فوجب أن يبعث لهم رسولًا يعلَّمهم كيف يعبدون الله وكيف يوحّدونه ، يأمر العباد بالمعروف والخير الذي يوصلهم إلى مرضاة الله ونعيم الجنّة ، وينهاهم عن المعاصي والشرور التي توصلهم إلى غضب الله وإلى النار . فإذن لا بدّ من بعثة الرسل ، ويجب أن يكون رسول البشر بشراً مثلهم ؛ ليفهموا كلامه ومقصده ، ويقبلوا أمره ونهيه ، ولا تستوحش منه نفوسهم وطباعهم ؛ إذ لو بعث لهم ملكاً أو جنّياً لم يقدروا على مشافهته ، لا يفهموا مخاطبته ؛ لأن نفوسهم تستوحش منه ، وطباعهم تنفر منه ، فلا يقبلون أمره ونهيه باختيارهم . وإنما تتحقّق منهم الطاعة والمعصية التي يستحقّون عليها العقاب والثواب الدائم