وإمّا أن تخرج من حنجرة حيوان ، فذلك الحيوان : إمّا إنسان . أو غيره كصوت العنادل والقماري وذوات السجيع من الطيور ، فهي مع طيبها موزونة متناسبة المطالع والمقاطع ، فلذلك يستلذّ سماعها والأصل في الأصوات حناجر الحيوانات . وإنّما وضعت المزامير على أصوات الحناجر وهو تشبيه للصنعة بالخلقة ، وما من شيء توصّل أهل الصناعات بضاعتهم إلى تصويره إلَّا وله مثال في الخلقة التي استأثر اللَّه باختراعها ، فمنه تعلم الصنّاع ، وبه قصدوا الاقتداء انتهى [1] . وكما لا يكون الحسن من ذاتيّات الصوت فكذلك التطريب أي تغيير الحال بالسرور أو الحزن ، فانّ الصوت قد يكون غير مطرب بالضرورة . فالغناء ليس هو مجرّد الصوت لكونه عبارة عن الصوت المطرب ، فالإطراب كيفية زائدة على الصوت عارضة له ، ولا يخفى أنّ الإطراب لا يحصل إلَّا مع حسن الصوت وهو غير حاصل إلَّا بالترجيع المتناسب ، فلا يمكن تحسين الصوت إلَّا بالتغنّي . ولكن قد صرّح بعضهم بالفرق ، وأن النسبة بينهما بالعموم والخصوص من وجه ، وهو مجرّد عبارة لم نتعقّل معناها وحقيقتها . فظهر من ذلك كلَّه ضعف ما قيل من : أنّ الحداء ، والرجز ، والنياحة ، والرثاء ، والغناء : ألفاظ في كلام العرب مستعملة في معان مقصودة لهم ، مشتركة الكيفية في القواعد الموسيقيّة ، خارجة على قوانين النسب الصوتية . وفي بعض تحقيقات المحقّق القمّي رحمه اللَّه : أن هذا الكلام متساقط ، لا يرجع إلى محصّل ، فإنّ قوله : « مشتركة الكيفية » صفة المعاني المقصودة ، فلا بدّ أن يكون المراد من المعاني المقصودة :