مالكه إعراضا عن ملكيّته وإطلاقا لقيد الملكيّة عنه وتحريرا له لا تركا للانتفاع به مع حفظ أصل الملكيّة وإن أردت الميز بين الإعراضين فلاحظها في الزوجة ترى إعراضا عنها بترك معاملة الزّوجيّة معها بلا إطلاقها عن حبالة الزّوجيّة وإعراضا عنها بمعنى طلاقها ورفع حبالة الزّوجيّة عنها كما في العتق وهذان الإعراضان يمكن فرضهما في مطلق الأملاك فيعرض عن مملوكه تارة بمعنى أنّه يتركه عن حيّز الانتفاع أو يسقط المملوك بنفسه عن حيّز المنفعة ويعرض عن مملوكه أخرى بمعنى أنّه يرفع قيد المملوكيّة عنه وغالب ما يذكر صغرى للإعراض هو من قبيل الأوّل بل لا يكاد يعثر على ما هو من قبيل الثاني إلَّا في مثل إطلاق الصّيد من الشّبكة مما يقصد به إنشاء زوال الملكيّة ويبعد كلّ البعد أن يكون نزاعهم في الأوّل وأيّ مجال لتوهّم أنّ مجرّد ترك معاملة الملكيّة مع المملوك يوجب خروجه عن الملك وإلَّا خرج أغلب المحقّرات عن ملك أربابها كما أنّ حمل نزاعهم على المعنى الثّاني يوجب خروج كثير ممّا ذكروه من الإعراض عنه بل لا يبقى تحته إلَّا مثل إطلاق الصّيد بل تمسّكهم في المقام بدليل النّاس مسلَّطون شاهد على أنّ النزاع في الإعراض بمعنى قصد الخروج عن الملك لا الإعراض بمعنى عدم ترتيب آثار الملكيّة في الخارج وبالجملة الصّغريات التي عدّوها من الإعراض بين ترك الملك سائبة بلا قصد خروجه عن الملك وهو الأغلب وبين ما يرجع إلى التّمليك كنثار العرس مع أنّ الظَّاهر أنّه من موارد التّمليك نعم تمليك عموميّ وتمليك لعنوان الأخذ والآخذ يأخذه أيضا يتملَّكه من المالك فالنّثار من النّاثر والأخذ من الآخذ إيجاب وقبول فعليّان وكذا التّسبيل للماء والضّيافات العموميّة إباحات عموميّة لكلّ من شرب وأكل وأجنبيّ عن باب الإعراض بل المالك بتمليكه الكذائي وإباحته الكذائيّة قائم بوظائف سلطنة ومالكيّة وأخذ بلوازمهما لا أنّه مهمل وتارك لهما فهما في جانب النّقيض من الإعراض الَّذي هو ترك للسّلطنة وإرخاء لزمام المملوك وتسريح له وإرجاع له إلى إباحته الأصليّة مقابل الحيازة الَّتي هي إدخال له تحت السّلطان وفي أسر الرّقيّة فلا تعرّض في الإعراض لمن يترك ولمن يؤخذ بوجه من الوجوه بل المعرض يعزل نفسه فقط عن السّلطنة بإخراج الملك عن حيطة سلطانه فالكلام في أنّ هذا العزل مؤثر في الانعزال وخروج الملك عن تحت السّلطان ورجوعه إلى إباحته الأصليّة أو غير مؤثّر بل هو باق على صفة الملكيّة وأنّ الملكيّة إذا حصلت في محلّ لا تزول عن مقرّها ولا تتحرّك عن مستقرّها وإنّما تتبدّل إضافتها من شخص إلى شخص بأسباب اختياريّة كالمعاملات أو قهريّة كالإرث مع انحفاظ جنس الملكيّة نعم ثبت زوال أصل الصّفة في المملوك الآدمي بالعتق وفي الأوقاف العامّة بناء على القول بالتّحرير فيها ولا دليل على التّحرير فيما عدا ذلك أو يفرق بين إعراض حصل بالقهر كفلتة الطائر واستيلاء القاهر وبين إعراض حصل بالاختيار كسائر موارد الإعراض فنقول مقتضى الأصل والقاعدة الأوّليّة هو عدم زوال الملكيّة بالإعراض استصحابا لها فكانت الحيازة علَّة للملكيّة حدوثا وبقاء بلا إناطة دوام الملكيّة بدوام الحيازة بل كانت الملكيّة دائمة حتّى بعد رفع الحيازة وإطلاق العين المحازة وصرف النّظر ورفض ملكيّتها ولكن الظَّاهر أنّ الاعتبار العرفي لا يساعد على ذلك بل الإعراض في نظر العرف مخرج للملك عن الملكيّة كما أنّ الحيازة مدخل له في الملكيّة فهما في نقطتي التّقابل محدّدان للملك من جانبي المبدإ والمنتهى ومعلوم أنّ الشّارع ليس له تصرف في مفهوم المال فكل ما هو رتّب على المال والملك مثل لا يحلّ مال امرئ مسلم والنّاس مسلَّطون على أموالهم مرتّب على المال العرفي ولا مال عرفي بعد الإعراض قطعا فلا مجال للاستصحاب نعم لو كان بقاء المال والملك العرفي محتملا أو كانت الأحكام الشّرعيّة مرتّبة على ما هو المال في نظر الشّارع بتصرف من الشّارع في مفهوم المال صحّ ذلك الاستصحاب لكن ليس كذلك ثم لو سلَّم فقد يرد على هذا الاستصحاب أمور الأوّل السّيرة على معاملة عدم الملك بالمال الَّذي أعرض عنه صاحبه ولذا لا يتتبع الأوصياء وقيّم الصغار عمّا أعرض عنه الموصي من قشور اللَّوز والجوز والسّنابل بعد الحصاد وبعر الأنعام وروث الدواب إلى غير ذلك من المحقّرات وغير المحقّرات فيعلم من ذلك خروج كلّ ذلك عن ملكه بمجرّد الإعراض الثّاني دليل النّاس مسلَّطون على أموالهم بتقريب أن مقتضى عموم السّلطنة أن يكون الملك بيده وتحت سلطانه له أن يخرجه عن ملكه متى شاء كما له أن ينقل ملكيّة إلى غيره متى أراد مع حفظ أصل الملكيّة فلو أنشأ بإطلاق الصّيد إخراجه عن الملكيّة فمقتضى دليل السّلطنة وقوع ما أنشأ وإلَّا لم تكن سلطنته تامّة وكان مقهورا لا يقدر أن يزيل صفة الملكيّة عنه وصفة المالكيّة عن نفسه وهذا خلاف إطلاق دليل السّلطنة بل خلاف مادة السّلطنة الثّالث الأخبار الخاصّة فمنها رواية السّكوني عن أمير المؤمنين عن أبي عبد اللَّه ع قال إذا غرقت السّفينة وما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به وما غاص عليه النّاس وتركه صاحبه فهو لهم وفي رواية أخرى له قال سئل أبو عبد الله ع عن سفينة انكسرت في البحر فأخرج بعضها بالغوص وأخرج البحر بعض ما غرق فيها فقال أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله اللَّه أخرجه وأمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم وهم أحقّ به ومنها صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللَّه ع قال من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلَّت وقامت وسيبها صاحبها لمّا لم تتّبعه فأخذها غيره فأقام عليها وأنفق نفقة حتّى أحياها من الكلال أو من الموت فهي له ولا سبيل له عليها وإنّما هي مثل الشّيء المباح ومنها رواية مسمع عن أبي عبد اللَّه ع قال إنّ أمير المؤمنين ع كان يقول في الدابّة إذا سرجها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للَّذي أحياها قال وقضى أمير المؤمنين ع في رجل ترك دابّته في مضيعة فقال إن كان تركها في كلاء وماء فهي له يأخذها متى شاء وإن كان تركها في غير كلاء ولا ماء فهي للَّذي أحياها ومنها رواية السّكوني عن أبي عبد اللَّه ع أن أمير المؤمنين ع قضى في رجل ترك دابّته من جهد قال إن كان تركها في كلاء وماء وأمن فهي له يأخذها حيث أصابها وإن تركها في خوف وعلى غير ماء ولا كلاء فهي لمن أصابها ومنها حسنة حريز بابن هاشم عن أبي عبد اللَّه ع قال لا بأس بلقطة العصي والشّظاظ والوتد والحبل والعقال وأشباهه قال وقال أبو جعفر ع ليس لهذا طالب والجواب أمّا عن السّيرة فلعلّ منشأها خروج ما أعرض عنه المالك عن مورد وصيّته بالثلث أو على الصّغار ومع الإغماض فلنا أن نخصّص حرمة التّصرف في مال الغير بغير إذنه أو بإذنه في خصوص تصرّفات مختصّة بالملك بالأموال الَّتي أعرض عنها صاحبها إن لم تكن بأنفسها منصرفة عنها بل دعوى انصراف أدلَّة حرمة الظَّلم والغصب والعدوان عن ذلك قوية جدّا فيكون استصحاب بقاء ملك المالك محفوظا وتظهر الثّمرة فيما عدا المالك إلى ملكه أو صرّح بالنّهي عنه فإنّه لا يجوز مزاحمته على ما ذكرناه بخلاف ما إذا كان الإعراض مخرجا له عن ملكه وأمّا عن التمسّك بدليل السّلطنة فبأنّ المستفاد من دليل السّلطنة هو السّلطنة على نفس الأموال ورقابها وما بالحمل الشّائع مال لا على عنوان المال حتى تكون مالية له أيضا تحت سلطانه وكان له سلطان إخراجه عن الماليّة ولذا لا يكون عدم هذا السّلطان قصرا في دليل السّلطنة وهل يجتزئ أحد أن يقول إن عموم سلطنة الباري جلّ وعلا يقتضي سلطنته على إذهاب سلطانه وأمّا عن الأخبار الخاصّة فالمتحصّل من مجموعها جواز تملَّك المال المعرض عنه بشرطين إعراض المالك وكون المال في عرضة التّلف فأحياه المتملَّك لا أنّ المال يخرج عن ملك مالكه بمجرّد الإعراض ولو لم يتملَّكه أحد أو تملكه ولكن لم يكن المال في عرضة التّلف نعم يستفاد من قول أبي جعفر ع في ذيل حسنة حريز ليس لهذا طالب الَّذي هو بمنزلة التّعليل لحكم الصّدر أن مجرّد عدم الطَّالب الَّذي هو عبارة أخرى عن الإعراض كاف في التملَّك ومن هنا يستفاد حكم المقام الثّاني وأنّ التملَّك يجوز في مورد الإعراض بالشّرط الَّذي ذكرناه وهو كون المال في عرضة التّلف وأمّا دعوى إباحة المالك للتملَّك الَّذي هو عبارة أخرى عن التّوكيل في تمليك نفسه فهي خلف وخروج عن فرض المقام الَّذي عرفت هو الإعراض الحاصل بعدم تصرف المالك بوجه في ماله بل مجرّد رفع يد وإطلاق وإخراج عن الملك فأمّا الإذن في التملَّك فهو من التّصرف ولا كلام لو أذن في التملَّك بأن وكل أن يملَّك كلّ من يستولي على المال نفسه تمّ تسويده على يد مصنّفه العبد عليّ بن المرحوم الشّيخ عبد الحسين الإيرواني النّجفي وقد نقله إلى البياض نجل المصنّف قدس سره الجاني يوسف عفا عنه ربّه الكريم بتاريخ ليلة 19 ذي الحجّة الحرام سنة 1363 هي حرّره أحقر العباد محمّد علي التّبريزي الغروي سنة 1379 طبع في طهران بمطبعة رشدية بالأفست . < / لغة النص = عربي >