والاستدلالات الفقهيّة والبحوث الجارية بين الفقهاء في هذه المسألة ، ولكن لا مانع من ذكر قاعدة كليّة واحدة تعتبر أساساً لاستنباط حكم هذه المسألة مورد البحث بالذات ونذكرها بصورة ميسرة وبدون تعقيد : إنّ الأحكام والمقرّرات الإسلاميّة أساساً ناظرة إلى الأفراد العاديين ، والأشخاص الذين يخرجون عن حدود المتعارف بشكل من الأشكال يجب تطبيق سلوكهم مثل الأفراد العاديين . مثلًا نحن نعلم أنّ جميع المكلَّفين حين الوضوء يجب عليهم غسل الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن ، فلو فرضنا أنّ شخصاً له شعرٌ وجبهة غير متعارفة ، مثلًا قد نبت شعر رأسه من وسط رأسه وأعلى من جبهته ، أو أنّه نزل بحيث إنّه نبت من فوق الحاجب وغطَّى بذلك جبهته ، فمن الواضح أنّ مثل هذا الشخص لا ينبغي له أن يجعل وضعه الخاص معياراً للتكليف ، بل إنّ جميع الفقهاء يرون أنّ مثل هذا الشخص يرجع في وضوئه إلى الأفراد العاديّين ويتوضأ مثلهم . أو مثلًا في مورد ( ماء الكر ) فإنّ المقدار الشرعي له كما هو المشهور : ثلاثة أشبار ونصف طولًا ، وثلاثة أشبار ونصف عرضاً ، وثلاثة أشبار ونصف ارتفاعاً . ومن البديهي أنّ هذا الحكم ناظرٌ إلى الأشبار المتعارفة والعاديّة ، فعلى هذا لو كانت أصابع أحد الأشخاص طويلة وكفّه كبيراً بحيث كان الشبر الواحد منه يعادل شبرين عاديين ، فلا يمكنه أن يجعل شبره معياراً للكر ، بل يجب عليه العمل وفق الأشبار العادية ، ويتخذ بذلك الحدّ الوسط معياراً ، وهذا هو ما يقال : إنّ إطلاقات الأحكام والقوانين الكليّة في الشرع ناظرة إلى الأفراد العاديين . وهذا قانون كلي وعام ، ولا يختص بباب معيّن من الفقه ، وبذلك استفاد الفقهاء من هذا القانون حكم الأشخاص الذين يعيشون في المناطق القطبيّة ، حتّى إنّ بعضهم قد