تنطبق على مراداتهم ، فالإسلام يجعل قوانينه ثابتة ومع ذلك يقضي بها حوائج الناس في جميع أقطار العالم وجميع الأعصار ، وهذه مسألة مهمّة عجيبة . وقد فاز الإسلام في هذا الميدان فوزاً عظيماً ، والسرّ فيه مضافاً إلى أن واضع القانون هنا هو الله ، العالم بالسرائر ، والواقف على الضمائر ، وهو الخالق للإنسان الخبير بحاجاته المادية والمعنوية ، فإن في الإسلام أصولًا كلية ، وقوانين جامعة ، لها شمول كثير ، ودوائر واسعة ، وخطوط عريضة ، تزدهر زماناً بعد زمان ، وتتغير مصاديقها وتبقى ذواتها ، مثل : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » و « المؤمنون عند شروطهم » ، و « ما حكم به العقل حكم به الشرع » وغيرها من أشباهها . أضف إلى ذلك ، القواعد الكثيرة المشتملة على العناوين الثّانوية مثل « قاعدة لا ضرر » و « قاعدة لا حرج » و « الضرورة » و « لزوم ما يتوقف عليه حفظ النظام » ، و « قاعدة الأهم والمهم عند تزاحم المصالح » وأشباهها . فكم من مشكلة عظيمة انحلت بفضلها ، وكم من عويصة غامضة مظلمة انكشفت في ضوء أنوارها ، فأحكام العناوين الثّانوية من أهم أسباب الحكومة الإسلامية لحلّ المعضلات . ولكن هنا أمران يجب التنبيه عليهما ، والتحذير منهما كلّ الحذر . الأول : أنه ليس معنى هذا الكلام ، اتباع الأهواء والجري على وفق جريان الماء وأخذ الأحكام الأولية كشمعة يصنع بها ما يشاء ، ويتلاعب بها كيف يراد . بل لا بدّ من الدقّة ، وكمال الدقّة ، في كشف مصاديقه والأخذ بما هو مقتضى الحزم والاحتياط فيها ، فإن الأمر هنا صعب مستصعب ، وقد خفي على بعض من لا خبرة له بالفقه حتّى أصبحت أحكام الله تعالى تابعة لميولهم ، رغم حكم الإسلام بوجوب الخضوع لأحكام الله تعالى ، وقوله تعالى : * ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما