فقال تعالى : * ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) * [1] . إن المشورة مع الناس من أسباب جلب القلوب ومشاركتهم للوالي في الأمور ، واجتماعهم حوله وعدم انفضاضهم عنه ، وليست مشاورة النبي ( صلى الله عليه وآله ) معهم ( وإن كان عالماً بالأمور بتعليم الله ) أمراً صورياً ظاهرياً ، لما في نفس هذا الأمر من المصالح كما قد يتوهم ، بل ظاهر قوله تعالى : « فَإِذا عَزَمْتَ » أن عزمه كان بعد الشورى . والروايات في الحث على هذا الأمر كثيرة جدّاً ربّما تبلغ حدّ التواتر ، وكفاك في ذلك ما يلي : الأولى - ما ورد في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « والاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه » [2] . فقد جعل الاستشارة عين الهداية ، لا طريقاً إليها ! وهذا من أبلغ البيان لفوائد المشاورة ، ثمّ أكده بقوله : إنّ الاستبداد سبب الخطر ومبدئه . الثّانية - قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما روى الإمام علي بن موسى الرضا ( عليهما السلام ) عنه ( صلى الله عليه وآله ) كما في العيون : « من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ، ويغصب الأمّة أمرها ، ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فإن الله قد إذن ذلك » ! [3] . الثّالثة - ما رواه بعض الصحابة قال : ما رأيت أحداً قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله [4] .
[1] آل عمران : 59 . [2] نهج البلاغة : الحكمة 211 . [3] عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) : ج 2 ص 62 . [4] السنن الكبرى للبيهقي : ج 9 ص 218 .