فنقول - ومن الله نستمد التوفيق والهداية - : لا بدّ هنا من رسم أمور خمسة : الأمر الأول : أنّه ينبغي أن يعلم أنّ طريقة البحث في هذه المسائل المستحدثة وأشباهها عند الشيعة تختلف عمّا هو عليه عند إخواننا أهل السنّة وذلك لاختلاف المباني الأصولية لكلّ من الفريقين ، حيث إنّ أصحابنا يتمسكون بالنصوص الخاصة والعامّة وأيضاً بالقواعد الكليّة المأخوذة من الأدلَّة المعتبرة - الكتاب والسنّة والإجماع القطعي - ولا ركون لهم في شيء من ذلك إلى الظنون . فإنّ الاجتهاد عندنا إنّما هو استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلَّتها ، وإنّ لكلّ واقعة حكماً شرعياً مجعولًا يكون المجتهد دائماً بصدد الوصول إليه ، سواء وصل إليه أم لا . وإن شئت قلت : قد ثبت بالأدلَّة أنّ لكلّ واقعة حكماً في الشريعة الإسلامية علمنا به أو لم نعلم ، وهذه الأحكام الواقعية كانت مودعة عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبعده عند أوصيائه المعصومين ( عليهم السلام ) ، فالحوادث الواقعة لا تخلو من الأحكام الواقعية ، إلَّا أنّنا إذا لم نظفر بحكم واقعي نظفر بحكم ظاهري قطعاً لما قد ثبت عندنا من أنّ الفقيه إمّا يعلم الحكم الواقعي أو يظن به ظناً معتبراً دلَّت الأدلَّة القطعية على اعتباره - أي الأمارات - أو يشك ، وعند الشك يرجع إلى أحد الأصول العملية المعتبرة - أي البراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط - وهذه الأصول حاصرة لموارد الشكّ طرّاً لا يشذّ منها شاذّ ، فإذن لا فراغ في الشريعة لا واقعاً ولا ظاهراً ، ووظيفة المجتهد هي عملية اكتشاف وتحصيل الحكم الموجود في الشريعة . هذا هو الاجتهاد لدى الشيعة الإمامية . أما الاجتهاد لدى أهل السنّة فإنّه مباين لما عندنا وذلك لاعتمادهم في الإفتاء في مثل هذه المسائل على القياس الظني والاستحسان والمصالح المرسلة وسدّ الذرائع بما لها من معان عندهم ، ولا ينحصر الاجتهاد - حسب اعتقادهم - في حدود