والرّواية الشّريفة : « لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين الله » [1] تدل على أنّ عقله أيضاً محدود . وهل يمكن بهذا العلم والعقل المحدودين درك فلسفة الأحكام الإلهية ؟ وعلى فرض إمكان ذلك ، هل يجوز لنا أن نخطو في هذا الوادي ؟ للإجابة عن هذا السّؤال لا بدّ من مراجعة القرآن الكريم ، والروايات ، وسيرة المعصومين ( عليهم السلام ) ، ومن خلال مراجعة القرآن والسنّة يمكننا استنباط دليلين على الجواز ، وهما : 1 - لقد أشار القرآن والرّوايات الإسلاميّة إلى فلسفة بعض الأحكام الشرعية ، فمثلا نجد أنّ القرآن الكريم يرى أنّ فلسفة الصلاة هي تنزيه المصلي عن الفحشاء والمنكر [2] وأنّ حكمة الصوم هي الوصول إلى تقوى الله [3] ، وأنّ علَّة تشريع الزّكاة تطهير وتزكية معطي الزّكاة [4] ، وبيان كل واحدة من هذه العلل يحتاج إلى إيضاح وتفصيل ، وفي الروايات بيان أوسع لفلسفة بعض الأحكام ، حتى صنفت كتب في هذا المجال [5] ، وهذا بمثابة ضوء أخضر لجواز الدخول في هذا المضار . 2 - الدّليل الثاني هو سيرة المعصومين ( عليهم السلام ) ، فعند ما يسأل الإمام عن علل الأحكام ، نجد أنّه لا يمتنع عن بيانها ، فلو أنّ هذا الأمر كان محظوراً لما أقدم عليه الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وسيرتهم حجّة . وبناءً على هذين الدّليلين ، يحقّ لنا أن نبحث عن فلسفة الأحكام الشرعية ، ويمكن الوصول إلى حكمتها .
[1] لم نجد هذه الرّواية في المجامع الروائية ، ولكن الشّيخ الأعظم ( قدس سره ) ذكرها في فرائد الأصول : ج 1 ص 218 و 255 . [2] العنكبوت : 45 . [3] البقرة : 183 . [4] التوبة : 103 . [5] من بينها كتاب علل الشرائع للمرحوم الصدوق - رحمة الله عليه - وقد اختص لبيان علل الأحكام ، وفي الوسائل بعض الإشارات إلى فلسفة بعض الأحكام .