نام کتاب : عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين نویسنده : ابن قيم الجوزية جلد : 1 صفحه : 316
وسمعت شيخ الاسلام يقول : الزهد تركك مالا ينفعك والورع تركك ما يضرك . فالزاهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليدين منها ويقابله الشح والحرص وهو ثلاثة أقسام : زهد في الحرام وزهد في الشبهات والمكروهات وزهد في الفضلات فالأول : فرض والثاني : فضل والثالث : متوسط بينهما بحسب درجة الشبهة وان قويت التحق بالأول والا فبالثالث وقد يكون الثالث واجباً بمعنى أنه لا بد منه وذلك لمن شمر إلى الله والدار الآخرة فزهد الفضلة يكون ضرورة فان إرادة الدنيا قادحة في إرادة الآخرة ، ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه وإرادته ومطلوبه ، فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب . أما توحيد المطلوب أن لا يتعلق طلبه وإرادته بغير الله وما يقرب إليه ويدني منه وأما توحيده في الطلب أن يستأصل الطلب والإرادة نوازع الشهوات وجواذب الهوى وتسكن الإرادة في أقطار النفس فتملاها فلا يدع فيها فضلاً لغير الانجذاب إلى جانب الحق جل جلاله فتتمحض الإرادة له ومتى تمحضت كان الزهد لصاحبها ضرورة فإنه يفرغه لعمارة وقته وجمع قلبه على ما هو بصدده وقطع مواد طمعه اللاتي هي من أفسد شيء للقلب بل أصل المعاصي والفساد والفجور كله من الطمع فالزهد يقطع مواده ويفرغ البال ويملأ القلب ويستحث الجوارح ويذهب الوحشة التي بين العبد وبين ربه ويجلب الأنس به ويقوي الرغبة في ثوابه ان ضعف عن الرغبة في قربه والدنو منه وذوق حلاوة معرفته ومحبته . فالزاهد أروح الناس بدنا وقلبا فإن كان زهده وفراغه من الدنيا قبوله في إرادة الله والدار الآخرة بحيث فرغ قلبه لله وجعل حرصه على التقرب إليه وشحه على وقته أن يضيع منه شيء في غير ما هو أرضى لله وأحب إليه كان من أنعم الناس عيشاً وأقرهم عيناً وأطيبهم نفساً وأفرحهم قلباً فان الرغبة في الدنيا تشتت القلب وتبدد الشمل وتطيل الهم والغم والحزن فهي عذاب حاضر يؤدي إلى عذاب منتظر أشد منه وتفوت على العبد من النعم أضعاف ما يروم تحصيله بالرغبة في الدنيا .
316
نام کتاب : عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين نویسنده : ابن قيم الجوزية جلد : 1 صفحه : 316