مستحب ، ثم إن كانت مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظوراً ؛ كأكل الميتة للمضطر ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات ؛ كلبس الحرير في البرد ، ونحو ذلك ، وهذا باب عظيم . فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك ؛ بحيث يصير المحظور مندرجاً في المحبوب أو يصير مباحاً إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة ، كما أن من الأمور المباحة ؛ بل والمأمور بها إيجاباً أو استحباباً : ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة ؛ كالصيام للمريض ، وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت ، كما قال ( ص ) : « قتلوه قتلهم الله ! هلا سألوا إذا لم يعلموا ؟ فإنما شفاء العي السؤال » [1] . وعلى هذا الأصل يبنى جواز العدول أحياناً عن بعض سنة الخلفاء ، كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة ، وذلك فيما إذا وقع العجز عن بعض سنتهم ، أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه ؛ بأن تكون الواجبات المقصودة بالإمارة لا تقوم إلا بما مضرته أقل . وهكذا « مسألة الترك » كما قلناه أولاً وبيَّنَّا أنه لا يخالفه إلا أهل البدع ونحوهم من أهل الجهل والظلم . « والصورة الثانية » : إذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة ، لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها أو بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك
[1] [ صحيح ] . رواه أبو داود في ( الطهارة ، باب في المجروح يتيمم ، 336 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وابن ماجة في ( الطهارة وسننها ، باب في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه ، 572 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . وانظر : « صحيح الجامع » ( 4362 ) .