نام کتاب : تذكرة الأعيان نویسنده : الشيخ السبحاني جلد : 1 صفحه : 348
الروايات ، وترجيح بعضها على بعض ، كان موجوداً ومعمولًا به في عصر الأَئمّة عليهم السلام - بعد وفاة النبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم - . نعم كلَّما بَعُدَ العهد عن زمن الرسالة وتكثّرت الآراء والأَحاديث والروايات ، ودخل فيها الدسُّ والوضع ، وتوفّرت دواعي الكذب فيها ، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يصعب ويحتاج إلى مزيدٍ من المئونة ، واستفراغ الوسع ، ولأَجل ذلك ترى بوناً شاسعاً بين الاجتهاد الرائج في عصر الأَئمّة من بعد الغيبة بقرنٍ أو قرنين ، والاجتهاد الرائج في هذه الأَعصار ، والجيلان يشتركان في بذل الجهد في استنباط الاحكام عن أدلَّتها الشرعيّة ، ويفترقان في أنّ الاجتهاد بعد عصر الرسالة إلى قرون ، كان خفيف المئونة لقرب العهد وتوفّر القرائن ، والاستغناء عنه في كثير من الموارد ، لإِمكان السؤال المفيد للعلم ، بخلافه في العصور المتأخّرة حيث اتّخذ الاجتهاد لأَجل بُعد العهد لنفسه صفة فنّيّة فلا يمكن أن يقوم به إلَّا الأَمثل فالأَمثل من الواعين المتدبّرين في الكتاب والسنّة ، حتّى لا يعمل بالعامّ في مكان الخاصّ . ولا بالمطلق عند وجود المقيّد ، ولا بالأَصل العملي عند وجود الدليل الاجتهادي ، ولا بالدليل المرجوح عند وجود الراجح ، إلى غير ذلك من الخصوصيّات التي فرضها بُعدنا عن عهد المعصومين . وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الاجتهاد ليس من البدع المحدثة ، فقد كان بابه مفتوحاً على مصراعيه في وجه العلماء منذ زمن قديم . الاجتهاد رمز خلود الدين إنّ التشريع الإِسلامي تشريع خالد ، وقد أغنى البشر عن كافة التشريعات غير الإِلهيّة ، هذا من جانب ، ومن جانبٍ آخر كلَّما تكاملت نواحي الحضارة ،
348
نام کتاب : تذكرة الأعيان نویسنده : الشيخ السبحاني جلد : 1 صفحه : 348