جسمانية لكانت تابعة لهما في الضعف والقوة . ( فإن قلت ) الإدراك وسائر الصفات الكمالية للنفس يضعف أو يختل بضعف البدن أو اختلاله كما نشاهد في المشايخ والمرضى وتجردها ينافي ذلك . ( قلنا ) الضعف أو الاختلال إنما يحدث في الإدراك والأفعال المتعلقة بالقوى الجسمية ، وأما ما يحصل للنفس بجوهرها أو بواسطة القوى الجسمية بعد صيرورته ملكة لها يحصل فيه اختلال وضعف ، يصير ظهوره أشد وتأثيره أقوى . وأما الثاني أعني بقاءها بعد المفارقة عن البدن فالدليل عليه بعد ثبوت تجردها أن المجرد لا يتطرق إليه الفساد لأنه حقيقة والحقيقة لا تبيد كما صرح به المعلم الأول وغيره ، ووجهه ظاهر . فصل بيان تلذذ النفس وتألمها إذا عرفت تجرد النفس وبقاءها أبدا ، فاعلم أنها إما ملتذة متنعمة دائما أو معذبة متألمة كذلك . والتذاذها يتوقف على كمالها الذي يخصها ، ولما كانت لها قوتان النظرية والعملية ، فكمال القوة النظرية الإحاطة بحقائق الموجودات بمراتبها والاطلاع على الجزئيات غير المتناهية بإدراك كلياتها . والترقي منه إلى معرفة المطلوب الحقيقي وغاية الكل حتى يصل إلى مقام التوحيد ويتخلص عن وساوس الشيطان ويطمئن قلبه بنور العرفان . وهذا الكمال هو الحكمة النظرية . وكما القوة العملية التخلي عن الصفات الردية والتحلي بالأخلاق المرضية ثم الترقي منه إلى تطهير السر وتخليته عما سوى الله سبحانه . وهذا هو الحكمة العملية التي يشتمل هذا الكتاب على بيانها . وكمال القوة النظرية بمنزلة الصورة وكمال القوة العملية بمنزلة المادة ، فلا يتم أحدهما بدون الآخر ، ومن حصل له الكمالان صار بانفراده عالما صغيرا مشابها للعالم الكبير ، وهو الإنسان التام الكامل الذي تلألأ قلبه بأنوار الشهود وبه تتم دائرة الوجود .