ويؤمله المتقون من الخير الدائم ، واللذات المخالفة لهذه اللذات الفانية التي يشارك فيها السباع والبهائم ، فإذا أدركه الموت مات على حسرة وندامة آيسا من رحمة الله قائلا : يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ( 22 ) . أعاذنا الله تعالى من سوء الخاتمة ووفقنا لتحصيل السعادة الدائمة . فصل تأثير المزاج على الأخلاق للمزاج مدخلية تامة في الصفات : فبعض الأمزجة في أصل الخلقة مستعد لبعض الأخلاق ، وبعضها مقتض لخلافه ، فإنا نقطع بأن بعض الأشخاص بحسب جبلته ، ولو خلي عن الأسباب الخارجية ، بحيث يغضب ويخاف ويحزن بأدنى سبب ، ويضحك بأدنى تعجب ، وبعضهم بخلاف ذلك . وقد يكون اعتدال القوى فطريا بحيث يبلغ الإنسان كامل العقل ، فاضل الأخلاق غالبة قوته العاقلة على قوتي الغضب والشهوة ، كما في الأنبياء والأئمة عليهم السلام . وقد يكون مجاوزتها عن الوسط كذلك بحيث يبلغ ناقص العقل ردي الصفات مغلوبة عاقلته تحت سلطان الغضب والشهوة ، كما في بعض الناس . إلا أن الحق - كما يأتي - إمكان زوالها بالمعالجات المقررة في علم الأخلاق ، فيجب السعي في إزالة نقائضها وتحصيل فضائلها . وعجبا لأقوام يبالغون في إعادة الصحة الجسمانية الفانية ، ولا يجتهدون في تحصيل الصحة الروحانية الباقية ، يطيعون قول الطبيب المجوسي في شرب الأشياء الكريهة ومزاولة الأعمال القبيحة ، لأجل صحة زائلة ، ولا يطيعون أمر الطبيب الإلهي لتحصيل السعادة الدائمة . وبقاء النفس على النقصان إما لعدم صرفها طلب المقصود لملابسة العوائق والمواقع ، أو مزاولة النقيض لتمكن موجبة ، أو لكثرة اشتغالها بالشواغل المحسوسة ، أو لضعف القوة العاقلة ، فإن لم تدركها العناية الإلهية فلا يزال يتزايد النقصان ويبعد عن الكمال الذي خلق لأجله ، إلى أن تدركها الهلاكة الأبدية والشقاوة السرمدية ، نعوذ بالله من ذلك ، وإن أدركته الرحمة