فاهتدى ساري الظلامِ بها * كاهتداءِ السفرِ بالعلمِ أقول : إني إنما ابتدأت بأشعار أبي نواس في الخمر لأنه أكثر الناس إحساناً فيها ، وأولهم استقصاء لمعانيها ، وأسبقهم إلى التنوق في أوصافها وألقابها ، وأكثرهم معاقرة لندمانها وشرابها ، وأوفاهم تشوقاً إليها وتطرباً عليها ، وأبلغهم قولاً في نعوتها الرائقة وصفاتها الفائقة ، وإن وجد لمن تقدمه شيء من ذلك فإنما يوجد القليل النادر ، ومن تأخر عن زمانه عيال عليه وتبع له . وها أنا أذكر ما يخطر من الأشعار والأخبار فيها على حسب ما اشترطته في هذا الكتاب . كان يقال : للشراب حدان : حد لا هم فيه ، وحد لا عقل فيه ، فعليك بالأول واتق الثاني . مر أنوشروان وكان يعجبه الورد بوردة ساقطة ، فقال : أضاع الله من أضاعك ونزل فأخذها وقبّلها وشرب مكانها سبعة أيام . قال جميل : فلمّا ماتَ من طربٍ وسكرٍ * رددتُ حياتهُ بالمسمعاتِ فقام يجرُّ عطفيه خماراً * وكانَ قريبَ عهدٍ بالمماتِ ابن نباتة السعدي : نعمتُ بها يجلو عليَّ كؤوسه * أغرُّ الثنايا واضحُ الجيدِ أحورُ