فصحاء العرب من مصقعي [1] خطبائها ، وفحول شعرائها إلى معارضة القرآن ولو بسورة واحدة ، وبلغت دعوته البدو والحضر ، وتصدّى لها أهل الوبر والمدر ، فنكصوا على أعقابهم خائبين ، وظهر عجزهم للعالمين ، وظلّ أفصحهم عند سماع هذا المعجز الأعظم كدمنة [2] أم أوفى لا تتكلم . وما سمعوا قوله تعالى : سأتلوا عليكم منه ذكراً [3] إلاّ طفقوا يضحكون من قفا نبك من ذكرى [4] . أ فتراه صلَّى اللَّه عليه وآله كان يتحدّى بألفاظ لا يعرف المراد منها سواه ؟ أو تراهم عجزوا عن معارضة ما لم يهتدوا إلى معناه ؟ كلاّ ، بل هو قرآن عربي مبين ، نزل به الروح الأمين ، على قلب سيد المرسلين ، وما أرسله إلاّ بلسان قومه لينذرهم بين يدي عذاب شديد ، ويدعوهم إلى صراط اللَّه العزيز الحميد . فهل كان الإنذار والدعاء وغيرهما من الأغراض الشريفة يترتب على صرف سماعهم الألفاظ ؟ حاشا أن يحتمله أحد ، أم كانوا يسألونه عن معنى كل كلمة ؟ كلاّ ، بل كانوا أول قراع اللفظ لأسماعهم يسبق المعنى إلى أذهانهم ، فيخشع قلوبهم لذكره ، وتقشعرّ جلودهم له ، وتقف جوارحهم طوع نهيه وأمره ، وهذا أوضح من أن يخفى على السذّج البسطاء ، فكيف على هؤلاء العلماء
[1] خطيب مصقع ، أي : بليغ . الصحاح 3 : 1244 ( صقع ) . [2] إشارة إلى قوله : أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلَّم . . . وهو أوّل إحدى المعلَّقات السبع لزهير ، أحد الثلاثة المتّفق على تقديمهم من الأوائل . ( منه ) . وانظر شرح المعلقات السبع - للزوزني - : 73 . [3] الكهف : 83 . [4] إشارة إلى مطلع معلَّقة امرئ القيس : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ( منه ) . وانظر شرح المعلَّقات السبع - للزوزني : 7 .