بخبر الواحد فإنه ليس بقطعي و في كلا الوجهين نظر و حينئذ لا يمكن دعوى الترجيح و معه يجب الحكم بالتخيير لا التوقف لأن أحد الدّليلين دلّ على وجوب العمل و الآخر على حرمته و الحكم هنا التخيير و معه يصحّ العمل بظنّ الشّهرة و هو المطلوب فتأمل على أنا نمنع من تحقق فرد للقياس يكون الظنّ الحاصل منه أقوى من ظن الشهرة أو مساويا له بل ظن الشّهرة أقوى مطلقا و حينئذ يبقى فحوى ما دلّ على حجيّة خبر الواحد سليمة عن المعارض الخامس الفحوى المشار إليها لا تنهض لإثبات حجيّة جميع أقسام الشهرة حتى ما كان الظن المستفاد منه أضعف من الظن المستفاد من ظواهر الكتاب و الأخبار المتقدّم إليها الإشارة فالدّليل أخصّ من المدعى فلا يثبت به و فيه أنه إن ( لو ) سلَّمنا تحقق شهرة يكون ظنها أضعف من ظن ما ذكر فنقول شمول ذلك غير قادح بعد ظهور الاتفاق على عدم الفرق بين أقسام الشهرة في الحجية فتأمل و منها ما تمسّك به في الذكرى فقال ألحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه فهو ممنوع فإن أراد في الإجماع فهو ممنوع و إن أراد في الحجّية فقريب لقوة الظن في جانب الشّهرة انتهى و فيه نظر للمنع من كون الشهرة مفيدة للظنّ بالحكم الواقعي و للظن بوجود دليل معتبر عليه لما ذكره الشّهيد الثّاني في كتاب الرعاية الذي ألَّفه في دراية الحديث فقال و أمّا الخبر الضّعيف فذهب الأكثر إلى منع العمل به مطلقا للأمر بالتثبت عند إخبار الفاسق الموجب لردّه و أجازه آخرون و هم جماعة كثيرة منهم من ذكرناه مع اعتضاده بالشهرة رواية بأن يكثر تدوينها و روايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى أو أفتي بمضمونها في كتب الفقه لقوة الظن بصدق الرّاوي في جانب الشهرة و إن ضعف الطَّريق فإن الطريق الضّعيف قد يثبت الخبر مع اشتهار مضمونه كما يعلم مذهب الفرق الإسلامية كقول أبي حنيفة و الشّافعي و مالك و أحمد بإخبار أهلها مع الحكم بضعفهم عندنا و إن لم يبلغوا حد التواتر و بهذا اعتذر للشيخ في عمله بخبر الضّعيف و هذه حجّة من عمل بالموثق أيضا بطريق أولى و فيه نظر و وجهه على وجه الإيجاز أنا نمنع من كون هذه الشهرة الَّتي ادعوها مؤثرة في خبر الضعيف فإن هذا إنما يتم لو كانت الشّهرة متحققة قبل زمن الشيخ و الأمر ليس كذلك فإن من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا كالمرتضى و الأكثر على ما نقله جماعة و بين جامع للأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصحّ و رد ما يرد و كان البحث عن الفتوى مجرّدة لغير الفريقين قليلا جدّا كما لا يخفى على من اطلع على حالهم فالعمل بمضمون الخبر الضّعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقق و لما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهيّة جاء من بعده من الفقهاء و اتبعه منهم عليها الأكثر تقليدا له إلا من شذّ منهم و لم يكن منهم من يسير الأحاديث و يتعب على الأدلَّة بنفسه سوى الشيخ المحقّق ابن إدريس و قد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقا فجاء المتأخّرون بعد ذلك و وجدوا الشّيخ و من تبعه قد عملوا بمضمون الخبر الضعيف لأمر ما رواه في ذلك لعلّ اللَّه تعالى يعذرهم فيه فحسبوا العمل به مشهورا و جعلوا هذه الشهرة جابرة لضعفه و لو تأمل المنصف و جدّ المتعب لوجد مرجع ذلك إلى الشيخ و مثل هذه الشهرة لا يكفي في جبر الخبر الضّعيف و من هذا أيضا الفرق بينه و بين فتوى المخالفين بأخبار أصحابهم فإنهم كانوا منتشرين في أقطار الأرض من أوّل زمانهم و لم يزالوا في ازدياد و ممن اطلع على أصل هذه القاعدة التي تبنيتها و تحققتها من غير تقليد الشيخ الفاضل المحقق سديد الدّين محمود الحمصي و السيّد رضي الدّين بن طاوس و جماعة قال السّيد في كتابه البهجة لثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح و رام بن أبي فراس أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للإماميّة مفت على التّحقيق بل كلَّهم حاك و قال السّيّد عقيبه و الآن فقد ظهر لي أنّ الذي يفتي به و يجاب عنه على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدّمين انتهى و قد كشفت لك بذلك بعض الحال و بقي الباقي في الخيال و إنما ينتبه لهذا المقال من عرف الرجال بالحق و ينكره من عرف الحق بالرّجال انتهى و قال ابنه في المعالم في ردّ دعوى الشهيد حصول الظَّن من الشّهرة الَّتي تحصل معها قوة الظَّنّ هي الحاصلة قبل زمن الشيخ لا الواقعة بعده و أكثر ما يوجد مشتهرا في كلام الأصحاب حدث بعد زمن الشّيخ كما نبه عليه والدي في كتاب الرّعاية الَّذي ألَّفه في دراية الحديث مبيّنا لوجهه و هو أنّ أكثر الفقهاء الَّذين نشئوا بعد الشّيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنّهم به فلمّا جاء المتأخّرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ و متابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء و ما دروا أن مرجعها إلى الشّيخ و أن الشّهرة إنّما حصلت من متابعته انتهى ثم لو سلَّمنا أنهم اعتمدوا فيما أفتوا به على الدّليل لكن لا نسلَّم أن كلَّما يعتقدونه دليلا دليل في الواقع و اختلاف الأصحاب في الأدلة الشّرعية غير عزيز فإن منهم من يجوز العمل بالقياس مطلقا و منهم من يفصل بين أقسامه و منهم من يمنع من العمل بخبر الواحد مطلقا و منهم من يفصل بين أقسامه و منهم من يجوز حصول الإجماع في زمن الغيبة و منهم من يمنعه و منهم من يمنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد و منهم من يجوزه و منهم من يمنع من حجيّة الاستصحاب و منهم من يجعله حجة و منهم من يجعل الشهرة حجّة و منهم من يمنعها و لا يكاد يوجد اتفاق جماعة في جميع المسائل الأصولية و الأدلَّة الشرعيّة لا يقال يبعد اتفاق الأكثر على دليل لا يكون حجة مع ما علم من طريقتهم من الاختلاف في الأدلَّة الشّرعية لأنا نقول هذا حسن لو علم أن دليلهم في المسألة متحد و ليس لكلّ واحد دليل مباين لدليل الآخر و أما إذا علم تعدد دليلهم إجمالا أو احتمل فلا إذ يجوز في المسألة الَّتي أفتوا بها أن يستند القائل بالقياس إليه و العامل