وكنت استظهر منه عند البحث عنه في أوقات مختلفة إرادة التحريم التكليفي فقط ، إلَّا أنّه يثبّطنى من الجزم به حديث الشفعة وحديث النهي عن منع فضل الماء ، حيث إنّ اللفظ واحد . ولا مجال لإرادة ما عدا الحكم الوضعي في حديث الشفعة ولا التحريم في النهي عن منع فضل الماء ، بناء على ما اشتهر عند الفريقين من حمل النهي على التنزيه . فكنت أتشبّث ببعض الأمور في دفع الإشكال إلى أن استرحت في هذه الأواخر ، وتبيّن عندي أنّ حديث الشفعة والناهي ، عن منع الفضل لم يكونا حال صدورهما من النبي صلَّى اللَّه عليه وآله مذيّلين ب « حديث الضرر » وأنّ الجمع بينهما وبينه جمع من الراوي بين روايتين صادرتين عنه صلَّى اللَّه عليه وآله في وقتين مختلفين . وهذا المعنى وإن كان دعوى عظيمة وأمرا يثقل تحمّله على كثير بن ويأبى عن تصديقه كثير من الناظرين ، إلَّا أنّه مجزوم به عندي ، وإنّما أثبته في هذه الأوراق رجاء تصويب بعض الباحثين وترك الاحتجاج به في المواضع المعروفة عند المتأخّرين واندفاع جملة من الإشكالات التي نبّهنا عليها ولم نذكر . فنقول : يظهر - بعد التروّي والتأمّل التامّ في الروايات - أنّ الحديث الجامع لأقضية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وما قضى به في مواضع مختلفة وموارد متشتتة كان معروفا عند الفريقين . أما من طرقنا : فبرواية عقبة بن خالد عن الصادق عليه السّلام . ومن طرق أهل السنة : برواية عبادة بن صامت ، فقد روى أحمد بن حنبل في في مسنده الكبير الجامع ثلاثين ألف عن عبادة بن صامت ، قال : إنّ من قضاء رسول اللَّه أنّ المعدن جبار ، والبئر جبار ، والعجماء جرحها جبار - والعجماء : البهيمة من الأنعام وغيرها ، والجبار : هو الهدر الذي لا يغرم - وقضى في الركاز الخمس ، وقضى أنّ تمر النخل لمن أبّرها إلَّا أن يشترط المبتاع ، وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلَّا أن يشترط المبتاع ، وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور ، وقضى لحمل « ابن مالك الهذلي »