قلت : نعم توجّه خطاب لا ضرر إلى الغابن أو المغبون إنما يكون إذا كانا عالمين بالضرر والغبن ، فيحكم بحديث لا ضرر على حرمة إضرار الغابن وحرمة تضرّر المغبون ، أي حرمة إضراره على نفسه ، فإنّ إطلاق النهي عن الإضرار يشمل الإضرار بالنفس كما يشمل الإضرار بالغير ، ومعناه هو لزوم تدارك الضرر الذي أورده المضر بالكسر على المضرّ بالفتح ، وضمان من أضرّ على نفسه جسما أو مالا أو عرضا عند الله ويجب عليه تداركه في الدنيا والآخرة ، فهو مؤاخذ بذلك عند الله ، إلَّا أنّ المغبون العالم بالغبن غالبا يقدم عليه لغرض عقلائي يتدارك به الضرر الوارد من جهة الغبن ، فمن يشتري متاعا في الصيف بقيمة أكثر من القيمة السوقية المتعارفة إنما يشتريه لأنّ يبيعه في الشتاء بقيمة كثيرة يتدارك بها الضرر الوارد من جهة اشترائه في الصيف . ومثل هذا لا يعدّ في الحقيقة ضررا بل هو نوع معاملة معمولة بين الناس ، والغرض منها تحصيل منفعة مقصودة يتدارك بها الضرر الوارد بسببها . فما أفاده سيّدنا الأستاذ رحمه الله في مسألة الإضرار بالنفس - من أنه ليس بمحرّم على إطلاقه ، بل في غير التهلكة وغير ما هو مبغوض في الشريعة كقطع العضو ونحوه لم يثبت حرمته لأنّ العقلاء لا يرون محذورا في الإضرار بماله كيفما شاء ، وبنفسه بأن يحتمل ما يضرّ ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي بل جرت عليه سيرتهم - ضعيف جدّا ، لأنّ ذلك ليس مجوّزا للإضرار بالنفس ، فإنّ مورد البحث فيه هو ما إذا أضرّ بماله أو بنفسه بلا غرض عقلائي أو شرعي وإلَّا فلا يحسبه العرف والعقلاء ضررا على النفس في الحقيقة . إن قلت : بناء على ذلك فلا بدّ في صورة جهل البائع والمشتري بالغبن أن لا يتوجّه الخطاب إليهما أصلا . قلت : عدم توجّه الخطاب إليهما إنما هو ما داما جاهلين بالغبن ، وأما إذا علم أحدهما أو كلاهما فتوجّه الخطاب إليهما لا مانع منه ، وليس تدارك المال ممّا