وشرائطها ، فحمل قوله « لا ضرر » على رفع التشريع دون النهي حمل جزافي لا معنى له فتأمّل فيما ذكرناه فإنه دقيق وبه يليق . هذا كله في جملة لا ضرر . وأمّا جملة لا ضرر فقد قلنا إنها بنفسها ظاهرة في النهي لأنّ الإضرار هو الفعل الصادر من شخص على غيره ، فمعناه أنه لا فعل من أحد على أحد يوجب الخسران وينقّص المال أو النفس أو العرض عليه ، وهو عبارة أخرى عن قول لا يجوز لك . وأمّا الإشكال الثالث ففيه : أنّ الأحكام الإلزامية الامتنانية في الشريعة الإسلامية ليست بعزيزة ، فإنّ وجوب القصاص إذا طلبه وليّ الدم امتناني مع أنه حكم إلزامي ، وكذا وجوب الإفطار في شهر رمضان أو حرمة صومه على المسافر حكم امتناني مع أنهما إلزاميان ، وكذا وجوب الإحلال بعد عمرة الحج للمتمتّع أو بقاء غيره على الإحرام حكمان امتنانيان مع أنهما إلزاميان ، وكذا ترك الوضوء أو الغسل لمن يضران به حكم امتناني مع أنه حكم إلزامي . بل الحقّ أنّ أحكام الشريعة كلَّها امتنانية لأنها حسب مذهب العدلية دائرة مدار المصالح والمفاسد التي يجب تحصيلها أو تبعيدها عن ساحة العشرة والحياة . ثم لا أظنّ أحدا من المتفقّهة فضلا عمّن كان من الفقهاء يلتزم باستحباب ترك الضرر على النفس مطلقا أو على الغير ولو في بعض الموارد ، بل وجوبه أمر تلتزم به جميع الأديان أو المسالك الدينية والفلسفية والاجتماعيّة ، ولا يخالف في ذلك أحد له عقل سالم فكيف يمكن للإنسان الفرار من شيء اضطرّ إلى وقوعه فيه ، بل هو أمر استقرّت عليه طبيعية الإنسان وجبلَّته بحيث لو خالفه أحد عدّ متجاوزا أو سفيها ، ولأجل ذلك جعل الشارع من لا يعرف قانون التجارب والمعاملة ويؤول أمره غالبا إلى التضرّر والخسران مهجورا في ماله ويمنعه عن التصرّف فيه إلى أن آنس منه رشدا . فالحاصل : أنّ هذا الإشكال أضعف من سابقيه بمراتب .