أنّ التخصيص أفيد من المجاز الَّذي هو أفيد من الاشتراك فيكون أولى لأنّ الخير من الخير من شيء خير من ذلك الشيء بالضّرورة وهذا الاستدلال أيضا مبني على ملاحظة المزايا والمصالح والمفاسد وقد عرفت أنّه في المقام لا يجدي شيئا بل المرجع في أمثال المقام إمّا الأصول أو الغلبة لا بمعنى أنّهما حجتان قد ثبت اعتبارهما دون الرجحانات النّاشئة من ملاحظة المصالح والمفاسد بل بمعنى عدم مساس لتلك الملاحظة بالمقام وعدم صلاحيّتها لتغليب أحد الجانبين على الآخر في الاستعمال الجزئي المشكوك فيه فنقول قضية الأصل هنا التّوقف لأنّ كلَّا من الاشتراك والتخصيص مخالف للأصل إلَّا أن يرجح الاشتراك بأنّ التخصيص أكثر حوادثا من الاشتراك لأنّهما وإن تساويا في الاحتياج إلى القرينة وملاحظتها وسائر ما يتفرع على وجود القرينة إلَّا أنّ التخصيص قسم من المجاز وهو يستدعي وجود أمر زائد على دواعي الكلام في نفس المتكلَّم والأصل عدمه وفيه أنّه معارض بأصالة عدم الوضع فافهم وأمّا الغلبة فهي في جانب التخصيص لأنّه أكثر دورانا في لسان العرب فيكون أرجح وقد مثل له مثالان أحدهما قوله تعالى ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤكُمْ مِنَ النِّساءِ وذلك أنّ النكاح إن كان حقيقة في العقد خاصّة فمقتضى ذلك الحمل عليه والتزام التخصيص بإخراج المعقود عليها من دون وطي وإن كان مشتركا بين العقد والوطي كانت الآية في المعقودة المجرّدة عن الوطي مجملة كذا قالوا وفيه أنّ الواجب على فرض الاشتراك الحمل على المعنى الَّذي لا يلزمه تخصيص وهو الواطي لأنّ المشترك إذا كان أحد معنييه مستلزما لتخصيص ونحوه من الأمور المخالفة لأصل الحقيقة تعين الآخر فافهم والثّاني قول القائل جمع الأمير الصّاغة إذا أريد به صاغة البلد وشكّ في أنّه حقيقة في العموم وصار مخصّصا في المثال أو أنه مشترك بين العام والخاصّ أقول وفي كلا المثالين نظر أمّا الأوّل فلأنّ النكاح لغة حقيقة في الوطي خاصّة وشرعا في العقد فأين احتمال الاشتراك ولو احتمل بقاء الوضع مع صيرورته حقيقة شرعيّة كانت الآية من باب الدّوران بين الاشتراك والنقل ولو منع عن صيرورته حقيقة شرعيّة في العقد لم يلزم شيء من الاشتراك والتخصيص وعلى التقادير فالآية ليست من أمثلة الدّوران بين الاشتراك والتخصيص هكذا ذكره بعض السّادة المحققين مع تهذيب وتحرير وزيادة ويمكن ذبّ النظر بأنّا نختار الاحتمال الثّاني أعني كون احتمال الاشتراك من جهة احتمال بقاء الوضع قوله فهذا من باب الدّوران بين الاشتراك والنقل فيه أنّ الدّوران بين الاشتراك والنقل لا ينافي الدّوران بين الاشتراك والتخصيص وأيضا إذا كان الحمل على المعنى المنقول إليه مستلزما للتّخصيص والمقصود من التمثيل بالآية الإشارة إلى صورة الدّوران فيما يترتب عليه ثمرة عمليّة وهو يحصل سواء اجتمع مع هذا الدّوران دوران آخر أم لا لكن يرد عليه حينئذ أنّه لا ينبغي أن يحكم فيه بترجيح التخصيص لأنّ رجحان التخصيص في نفسه على الاشتراك لا ينافي رجحان الاشتراك عليه لخصوصيته كما في المقام لأنّ التخصيص المبني على النقل حاله كحال النقل فمن يقدم الاشتراك على النقل يلزمه تقديم الاشتراك على مثل هذا التخصيص وأيضا أنّ في التزام التخصيص حينئذ التزام بمخالفة الأصل مرّتين لأن كلا من التخصيص والنقل مخالف للأصل بخلاف الالتزام بالاشتراك وفيه أنّ ترجيح التخصيص حينئذ أولى لتعاضد الغلبتين غلبة النّقل بالنّسبة إلى مثل هذا الاشتراك وغلبة التخصيص فافهم فالمثال من أمثلة صرف الدّوران لا من أمثلة ما يقدم فيه التخصيص على الاشتراك لرجحانه فافهم وأمّا الثّاني فلأنّه ممّا لا يترتب فيه على شيء من ترجيح الاشتراك أو التخصيص ثمرة عمليّة كما لا يخفى فالترجيح فيه غير معقول نعم لو دار الأمر بينهما في خطابين كان موردا لظهور الثمرة مثل ما لو قال المولى أكرم العلماء ثمّ قال لا تكرم زيدا واحتمل اشتراك زيد بين شخصين شخص عالم وشخص جاهل واختصاصه بخصوص العالم فإن رجّحنا التخصيص لم يجب إكرام ذلك العالم وإن رجّحنا الاشتراك وجب لاحتمال ما احتمل كونه مخصّصا شخصين للاشتراك لكن قد يقال حينئذ بأنّ أصالة العموم دليل اجتهادي بالنّسبة إلى أصالة عدم الاشتراك فيكون حاكما عليه ومقتضاه الحكم بالاشتراك فإن قلت إن رجحان التخصيص إنما ثبت باعتبار الغلبة لا بأصالة عدم الاشتراك حتى ينفع سقوطه في المقام ومرجع الترجيح بالغلبة إلى أنّ أصالة العموم إذا استلزم العمل به الاشتراك النادر سقط عن الاعتبار لغلبة التخصيص وندرة الاشتراك لا لتقديم أصالة عدم الاشتراك فلا وجه لترجيح الاشتراك على التخصيص في المثال قلت إنّ أصالة العموم في حدّ ذاته من الأصول المعتبرة وإن كان ضعيفا لغلبة التخصيص لكن الضّعف ليس إلى مرتبة تسقطها عن الاعتبار ولذا يعمل بها بعد الفحص عن المخصّص مع غلبة تخصيص العمومات فإذا كان في نفسه معتبرا فلا شيء عند استلزامه للاشتراك يوجب سقوطه عن الاعتبار فلا وجه لتقديم التّخصيص على الاشتراك ومن هنا يظهر أن ترجيح التخصيص على الاشتراك كما هو المشهور ينزل إطلاقه على ما لا يلزم فيه من الترجيح طرح أصالة العموم في عام محقق موجود فإن قلت المرجع في باب التعارض هي الغلبة لأنّها حاكمة على الأصول ولذا قدم النقل على الاشتراك في المسألة الأولى مع كون النقل على خلاف الأصل ولا منافاة بين عدم اعتبار الغلبة في غير التعارض وبين اعتبارها فيه قلت قد تقدّم في غير موضع أنّ الغلبة ليست ممّا يعول عليها في مقابل أصالة الحقيقة ولذا أوجبنا التوقف في المجاز المشهور دون المطلقات الَّتي غلبت في بعض أفرادها والغلبة في المقام بعد فرض سلامة أصالة العموم عن المعارض كما قرّرنا تصادم أصالة العموم كما في العمومات الابتدائية الَّتي ليس التخصيص فيه طرفا للعلم الإجمالي فلا تصلح مرجحا للتخصيص لأنّ مرجع الترجيح بها هنا إلى ترك اليد عن أصل