التعبير من جزئيات ذلك المعنى قلت هذه الفائدة تقتضي وضع اللَّفظ لتلك الجزئيات لا لكلَّيها ثم الاستعمال فيها بطريق التجوز وأي فائدة في كون الموضوع له شيئا والمستعمل فيه شيئا آخر فإن قلت فائدته إدراك مزايا المجاز قلت فوائد التجوّز لا تدرك إلَّا إذا احتمل المخاطب حين سماع اللَّفظ إرادة المعنى الحقيقي حتّى يكون العدول عنه إلى المعنى المجازي بواسطة القرينة سببا لحصول بعض المعاني وأما مع علم المخاطب بعدم إرادة المتكلَّم المعنى الموضوع له في أوّل الأمر فلا يترتّب عليه سوى ما يترتب على العلم بالوضع من محض الانتقال إلى المعنى مع أنك عرفت أن استعمال هذه الألفاظ في الجزئيات ليس مبنيّا على ما يبنى عليه سائر المجازات هذا مضافا إلى ما في الأوّل من الإيرادات الَّتي سبقت في المقدّمة الأولى وما في الثّاني من أنّا لا نعقل كلية المعنى الموضوع له على تقدير عدم قابليّته للاستعمال كما نبّهنا عليه آنفا والثالث أنّ هذه الألفاظ مستعملة في المعاني الكلَّية والخصوصيات مستفادة من القرائن اللَّازمة للاستعمال ومرجعه إلى منع بطلان التّالي كما أنّ مرجع الأوّلين إلى منع الملازمة وجوابه أيضا قد ظهر في المقدّمة الثانية من مصادمته للوجدان في كثير من الألفاظ المزبورة مثل هذا وسائر أسماء الإشارة فإنّا لا نتوصل إلى ما أريد منها من المعاني الجزئية بطريق تعدّد الدّال والمدلول بل ننتقل إلى ذات المشار إليه مثلا من حاق لفظ هذا وأنّ الفرق بينه وبين علم تلك الذّات أنّه يدل على الذات ومعنى زائد عليها أعني الإشارة الجزئية بخلاف العلم فإنه يدل على الذّات المجرّدة والرابع أنّ هذا مقلوب على المستدلّ لأنّ هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للجزئيات لاستعملت في تلك المقامات الكلَّية أيضا بطريق المجاز لأنّ صحّة استعمال اللَّفظ في الكلَّي مجازا من لوازم وضعه للجزئي مع أنّها لا تستعمل فيها قط وهذا الجواب بمكان من الضّعف والسّقوط ولا حاجة في ردّه إلى ما قيل من منع الملازمة المزبورة نظرا إلى عدم اطَّراد التجوز في كلّ لفظ بالنّسبة إلى كلّ خارج لأنه لو تم لدل على عدم وضعها لشيء من المعاني لمكان هذا المحذور والثّاني أنّ القول بكلية معانيها لو تم فإنّما يتم في غير الحروف والأفعال والمركَّبات كأسماء الإشارة وسائر المبهمات لأنّ القول به فيها يستلزم القول باستقلالها بالمفهوميّة وهو ضروري البطلان ثمّ الظَّاهر أن أحدا لم يفرق بينها وبين الأسماء من الجهة المبحوث عنها لأنّ الَّذي دعا المحققين إلى فتح باب هذا القسم من الوضع مشترك الثبوت بين جميع الألفاظ اللَّازمة الاستعمال في جزئيات مفهوم واحد وأجاب عنه بعض المحقّقين بما حاصله أنّ الفرق بين الحروف والأسماء بعد اشتراكهما في عموم الموضوع له وكلَّيته إنما هو من جهة اعتبار المرآتية في معاني الحروف دون الأسماء فعدم استقلال الحروف بالمفهوميّة إنما جاء من جهة الآلية لا من جهة جزئية معانيها كيف ولازم ذلك أن تكون المبهمات غير مستقلة بالمفهومية عند المتأخّرين أقول إشكال المسألة في أنّ معاني الحروف على تقدير كلَّيتها ملحوظة بالاستقلال وقابل للإشارة المعنوية ويصح الحكم عليها وبها ولو كانت معان آليّة لأنّ الآلة قد تلاحظ بالاستقلال وقد تلاحظ بالتّبع وقد مر شرح ذلك فيما تقدّم عند تحقيق معنى الحروف فمجرّد كونها معان آليّة لا يكفي في عدم استقلالها وقد تقدّم أيضا كلام صاحب المحصول في توضيح عدم استقلال الحروف بالمفهوميّة مع كونها معان كلَّية فارجع وتأمّل وحاصل الكلام في تزييف الجواب وتزييف ما ذكره صاحب المحصول هو أن كلمة من إن كانت موضوعة لمفهوم الابتداء الآلي فعموم الموضوع له مستقيم حينئذ لكن مفهوم الآلة معنى مستقلّ فضلا عن مفهوم الابتداء الآلي وإن كان موضوعه لمصداق الابتداء الآلي أي للابتداء المتّصف بالآلية الفعليّة فعدم الاستقلال حينئذ مسلم دون الكلَّية وقد يجاب أيضا بأن ما اتفق عليه أهل العربية من عدم استقلال معاني الحروف يراد به عدم استقلال ما قصد منها في مجاري الاستعمالات إذ ليس المعنى سوى ما قصد من اللَّفظ وإلَّا فنفس الموضوع له مع قطع النّظر عن الاستعمال والإرادة لا يصدق عليه المعنى وجوابه أيضا قد أسلفناه حيث قلنا إن ظاهر علماء العربية إبداء الفرق بين الحروف والأسماء في نفس المعنى الموضوع له دون المستعمل فيه الثالث أنّ الأصل في الاستعمال المستمرّ الحقيقة وقد اعترف به مدّعيا عليه الإجماع السيّد المتقدّم في محله عند اتحاد المستعمل فيه والشكّ في كونه الموضوع له أو الموضوع له غيره ولا ريب في أنّ المقام من مجاري الأصل المزبور الرابع أنّ القول بأنّها موضوعة لنفس المعاني الكلية ترجم على الغيب لأنّ طريق العلم به مسدود باعتبار عدم جريان شيء من طرق الوضع الآتية فيه أمّا التّبادر فباعتراف الكلّ وكذا عدم صحّة السّلب نعم قد يتخيل إمكان ثبوته بإخبار أهل اللَّسان كما في سائر الألفاظ وهو اشتباه جلي لأن إخبار أهل اللَّسان مبني على ما يجدونه في المحاورات والاستعمالات فإذا علمنا بعدم استعمال اللَّفظ في معنى قط كان إخبارهم بوضع اللَّفظ له ساقطا عن درجة الاعتبار هذا إذا كان إخبارهم حجّة من غير إفادة العلم وأما على تقدير عدم الحجية كما هو الحق فالأمر أوضح مضافا إلى ما ستعرف من منع حجية إخبارهم بذلك هذه ما استحسنته من وجوه القول المشهور المنصور وما سنح لي من الوجوه وهذه الوجوه سوى الأخير أدلَّة على عدم كون الموضوع له هو المعنى العام وأمّا كون الموضوع له هي الخصوصيات فيثبت بالملازمة كما لا يخفى وأمّا القول الآخر فقد ظهر من كلام السيّد المتقدّم جلّ أدلَّته أو كلَّه مع الإشارة إلى وجوه فسادها أحدها وهو الأقوى تصريح علماء العربية وأهل اللَّسان بأنّ هذا موضوعة للمشار إليه المذكور وأنا للمتكلَّم وهكذا إلى آخر المبهمات وتصريح بعضهم فضلا عن إجماعهم حجّة وفيه أولا