للأقربيّة العرفية وغير خفي أنّ الجمع المعرّف حيثما لا يراد منه الاستغراق بقرينة عقلية أو نقلية لا يراد منه عرفا وشرعا سوى الجنس الصّادق على القليل والكثير فالأظهر الموافق للمنسوب إلى الأكثر سقوط هذا الشّرط فلو كان أحد الخبرين موافقا لأبي حنيفة أو لمثله ممّن يحتمل اتقاء الإمام عليه السلام منه ولم يكن الآخر كذلك إمّا لكون المسألة من الفروع الحادثة الغير المعروفة عند غيره أو للجهل بالحال وعدم العلم بأقوال غيره منهم وتكافئا وتساويا في سائر الجهات رجحنا المخالف أيضا عملا بالأخبار ويدلّ عليه مضافا إلى ما عرفت قوله عليه السلام في رواية علي بن أسباط ائت فقيه البلد واستفته حيث إنّ الإمام عليه السلام تعبّد الراوي في معرفة الحق والباطل برأي بعضهم فلو كان الرشد في خلافهم مشروطا باتفاق كلَّهم أو جلَّهم لم يكن وجه للاعتماد في معرفة الباطل برأي البعض خاصّة ويدلّ عليه أيضا عمل الأصحاب حسبما أشرنا إليه لأنهم لا يزالون يستعملون هذا المرجح إذا وجدوا أحد المتعارضين موافقا لثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أقلّ أو أكثر والفرق بين الواحد والثلاثة وما زاد كما ترى ويمكن نفيه بعدم التفصيل أيضا إذ بعد البناء على عدم اشتراط موافقة الجلّ أو الأغلب لا فرق بين سائر مراتبه اتفاقا هذا كلَّه بناء على الوجه الثاني ظاهر وأمّا بناء على الوجه الأوّل أعني كون موافقتهم أمارة غالبيّة على الباطل لكون أغلب أحكامهم باطلا فإن كان منشؤها الغلبة الخارجية بأن كان الغالب فيما صدر منهم من الأحكام والفتاوى للناس باطلا كما يدلّ عليه خبر الأرجائي وخبر أبي بصير وما عن أبي حنيفة فلا يجدي في المقام لعدم إحراز موضوع مخالفة الكلّ والأغلب وإن كان منشؤها اعوجاج آرائهم وانطباع قلوبهم وتغشية أبصارهم عن إصابة الحق كما يدلّ عليه خبر علي بن أسباط اتجه الترجيح أيضا وهو واضح الثاني أنّه نقل بعض أفاضل متأخري المتأخرين كلاما في الباب عن المفيد قدّس سرّه وارتضاه وهو اشتراط الحمل على التقية بكون الخبر الموافق لهم من الشّواذ رواية وعملا فلو كان مشهورا رواه العلماء والمحدّثون لم يحمل على التقية وهذا الكلام في الحقيقة إنكار لهذا المرجح رأسا لأن ما كان من الشواذ فهو غير واجد لشرائط الحجيّة وتقديم المخالف ليس ترجيحا له عليه بل هو لعدم حجيّة المعارض وكأنه سليم عن المعارض والعجب من الناقل حيث إنّ بناءه على مراعاة الظَّن في هذا المرجح وغيره فكيف يوافقه إذا حصل الظَّن من المخالف في قبال ما رواه الأصحاب من الموافق ويحتمل بعيدا أن يكون غرضهم تقديم الشّهرة على هذا المرجح كما في المقبولة وإن كان المحكي عن المفيد قدّس سرّه اشتراط الشذوذ المسقط للخبر عن الاعتبار فكيف كان فإن أرادوا بالشذوذ غير المشهور الَّذي هو معتبر عند عدم المعارض فله وجه ومرجعه إلى تقديم الشهرة إذا كانت معارضة بمخالفة العامّة ويأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى في تعارض المرجحات وإلَّا ففساده كما ترى الثّالث نقل عن صاحب الحدائق عدم اشتراط الحمل على التقية بموافقة العامة وأنكره بعض الأساطين وربّما انتصر له بأن غرضه ليس حمل الخبر على التقية مع مخالفتها بمقالهم كيف وهو غير معقول بل هو أنّ اختلاف الأخبار قد يستند إلى غير التقية كما دلّ عليه غير واحد من الأخبار معلَّلا بأنّا ألقينا الخلاف بينكم لأنّه أبقى لكم قلت ترجيح أحد الخبرين على صاحبه لا يتعقل إذا كان كلاهما موافقين أو مخالفين لهم لكن أحدهما المعين واقعا أو ظاهرا بحسب مساعدة المقام قطعا باطل صدر عن التقية فلا محلّ للاستعجاب والاستغراب عمّا ذكره من صحّة الحمل على التقية مع مخالفة المتعارضين للعامة نعم لو أراد بما ذكره ترجيح أحد المتعارضين على صاحبها مع مخالفتها لهم فالعجب في محلَّه إلَّا أنّه لا ينبغي لأحد أن يحتمله في حق ذي شعور فضلا عن مثله الرابع أن مخالفة العامّة على الوجه الأوّل وهو كون الحق والرّشد غالبا في خلافهم ليست من المرجّحات الجهتيّة إذ لا يتوقف الترجيح بهذا النّحو على كون الموافق صادرا عن التقية بل مع القطع بعدم التقية فيه على تقدير الصّدور أمكن أيضا ترجيح المخالف عليه نظرا إلى الغلبة المذكورة فهي بهذه الملاحظة سبيلها كسبيل الشهرة ونحوها من المرجحات المضمونية الكاشفة عن القدح في صدور الآخر أو في دلالته أو في جهته فجعلها من المرجحات الجهتية خاصّة كما يقتضيه تقسيم المرجّح الداخلي إلى الصّدوري والدلالتي والجهتي ثمّ تمثيل الأخير منها بها غير مستقيم على هذا الوجه بل هو مبني على الوجه الثاني أعني كون موافقتهم دليلا على التقية فنقول إنّ ما دلّ عليه فيما عثرنا رواية واحدة وهي رواية عبيد بن زرارة ما سمعته منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية وما سمعته منّي لا يشبه قول النّاس فلا تقية فيه وهي كما ترى مختصّة بمعلوم الصّدور والتعدّي منه إلى خبر الواحد المظنون الصدور مبني على بعض دعاو غير ثابتة فجعل مخالفة العامة من المرجّحات الجهتية ممّا لا وجه له اللَّهمّ إلَّا أن يجعل ذلك من قبيل نصب القرينة العامة حسبما بيّناه آنفا فيأتي في الظَّني أيضا أو لدوران الموافق بين الصّدور المحمول على التقية بحكم الإمام وعدمه وعلى التقديرين يجب طرحه ولا نعني بالترجيح بها سوى طرح المخالف وتوضيحه أنّ الإمام عليه السلام قال إنّ ما سمعته منّي يشبه قول النّاس ففيه التقية ومعناه أنّ كلّ قول صادر منّي يشبه قولهم فالغرض منه ليس إفادة الحكم المدلول لذلك القول بل هو الاتقاء عن شر الأعداء وهذا وإن كان مختصّا بالقول الصادر ضرورة توقف الحكم على الموضوع لكن احتمال صدوره يكفي في الترجيح هنا ولا يتوقف على إحراز صدوره لأنّ الأمر