بالاستنباط حتى تكون أصولية ولا بأفعال المكلَّفين حتّى تكون فقهيّة بل إنما هي ثمرة علمية محضة خارجة عن العلمين مترتبة على الدّليل فهي ثمرة للعلم بالوجوب لا لأصل الوجوب فافهم ومنها حرمة أخذ الأجرة عليها على القول بوجوبها أمّا على القول بالعدم فلا مانع من أخذ الأجرة عليها فالمستطيع لو آجر نفسه لقطع المسافة عن الغير إلى الميقات لم يصح عند القائلين بالوجوب ويصح عند القائلين بالعدم وأورد عليها بوجوه أحدها ما ذكره بعض المحققين قدّس سره من أن أقصى ما يدلّ عليه الدّليل هو حرمة أخذ الأجرة على الواجبات النفسية دون غيرها وثانيها ما ذكره أيضا من أنّها ثمرة فقهية لا تعد ثمرة لمسائل الفنّ وثالثها ما حكي عن بعض مشايخنا قدّس سرهم من أنّ ما لا يجوز أخذ الأجرة عليه من الواجبات هو ما كان مطلوبا عن المكلَّف مجانا كالواجبات المتعلَّقة بالأموات على ما استظهره غير واحد وتعليم المسائل الدينية كما ورد في بعض الروايات قد أخذ اللَّه الميثاق من العالم قبل أن يجب التعلَّم على الجاهل الظَّاهر في إثبات حق التعليم على العلماء وغير ذلك ممّا يستفاد من دليله لزوم تسليم العمل مجانا فما لم يثبت وجوب التبرع بالعمل لا بأس بأخذ الأجرة عليه مع محافظة سائر شروط الإجارة ولذا استقرت السّيرة على أخذها على الصّناعات الكفائية هذا وفي الكلّ نظر أمّا الأوّل فيظهر ضعفه من ملاحظة كلمات المانعين فإنّها صريحة في حرمة أخذ الأجرة على الواجبات الغيرية كقطع المسافة الواجبة على المستطيع الحجّ مع أنّ أدلَّتهم الَّتي استدلَّوا بها على المنع شاملة للواجب الغيري أيضا كما لا يخفى وأمّا الثّاني فقد ظهر ضعفه ممّا مرّ من أن ثبوت ثمرة ولو كانت فقهية كاف في عدم خلو النزاع عن الفائدة وأمّا الثّالث فمرجعه إلى إنكار التنافي بين وجوب الشيء وأخذ الأجرة عليه وأن الواجب والمستحبّ سواء في ذلك فإن دلّ الدليل الخارجي على مدخلية التبرع في الواجب أو المستحب وإلا فلا مانع من أخذ الأجرة مع مراعاة سائر الشروط وأنت خبير بأنّ هذا على تقدير صحته غير نافع إذ لا يلزم في الثمرة كونها اتفاقية فعلى المشهور المدّعى عليه الإجماع تظهر الثمرة ويمكن توجيه الجواب بما قال به بعض الأعلام وهو أن أخذ الأجرة على المقدّمة كقطع المسافة ليس أخذا لها على الواجب إذ الواجب الغيري هو ما يتوقف عليه الواجب النفسي وأخذها على قطع المسافة بعنوان أنّه يتوقف عليه الحج حرام لكن بنفسه وذاته وهو قطع المسافة فهو ليس أخذا لها على الواجب حتى يحرم بل على شيء آخر مصادف مع الواجب في الخارج وبذلك يجاب عن الصّناعات فإنّ الواجب إنما هو حفظ النظام والأجرة ليست عليه بل على نفس الصّيغة بعنوانها الخاصّة وهذا إن تم أبطل الثمرة لكنّه غير صحيح لأن مصداق الواجب كحفظ النظام واجب غاية الأمر تصادقه مع شيء آخر فمع الانحصار كان أخذا لها على الواجب العيني التعييني ومع عدمه كانت على الكفائي التخييري وعلى التقديرين تتم الثمرة على القول بعدم الجواز مطلقا كما هو المشهور وعلى القول بالجواز في التخييري تمت الثمرة في صورة الانحصار هذا هو الكلام في الثمرة وأمّا الأصل المتفرع عليه ذلك أعني أخذ الأجرة على الواجبات فله مقام آخر فالأولى المناقشة في الثمرة بحرمة أخذ الأجرة على المقدّمة مطلقا حتى على القول بعدم وجوبها أيضا لأنّ دليل عدم جوازها على الواجبات يأتي فيها ولو لم نقل بالوجوب توضيحه أنه لم يرد نصّ في الباب وإنّما حرّموها نظرا إلى ثبوت التنافي بين صفة الوجوب وأخذ الأجرة إذ مقتضى وجوب العمل وهو تعيينه على المكلَّف بحيث لا يكون له اختيار الترك زوال حقه وانقطاع سلطنته عنه فيخرج عن أهلية التملَّك والمعاوضة إذ المعتبر فيها كون العوض مملوكا قابلا للنقل والانتقال وإليه ينظر ما عن بعض الأعاظم عن أن المملوك المستحق لا يملك ثانيا وهذا الوجه بعينه جار في المقدّمة ولو لم نقل بوجوبها لأن تعينها على المكلَّف بذيها بحكم اللَّابدّية العقليّة يقتضي زوال سلطنته عنه فيكون كالمملوك المستحق للغير الَّذي لا يملك ثانيا فتدبّر نعم لو اعتمد في الباب على الإجماعات المنقولة تعبّدا توقف حرمة أخذ الأجرة عليها على القول بالوجوب إلا أنّه مدرك مزيف في محله كما لا يخفى على من راجع المسألة في بابها ومنها لزوم ترتب الفسق على ترك المقدمة إذا بلغ حدّ الإصرار على القول بوجوبها لأن ترك المقدّمة على القول المذكور معصية فتركها مع تعدّدها إصرار بالمعصية وهو سبب الفسق بخلاف ما لو قيل بعدم الوجوب إذ لا عصيان حينئذ إلَّا بترك ذي المقدّمة وهو معصية واحدة لا توجب فسقا إذا لم يكن كبيرة وفيه أنّ مقتضاه حصول الفسق بترك كلّ واجب ولو لم يكن تركه معصية كبيرة كردّ السّلام مثلا لتعدّد المقدّمات مع أن النصّ والفتوى متفقان على اشتراط الإصرار في الصّغيرة فهذا اجتهاد في مقابل النصّ ودعوى اختصاص الاشتراط بالمحرّمات فلا يأتي في الواجبات تحكم لا شاهد عليه مع أن حصول الفسق بالإصرار إنّما هو تعدّد العصيان الذي هو مبغوض للمولى وترك المقدّمة وإن كان معصية فهو ليس مبغوضا آخر له مغايرا لما في العصيان الحاصل بترك ذي المقدمة وإن شئت قلت إن الإصرار بالمعصية يكشف عن مرتبة من عدم المبالاة بمعصية المولى وهذه المعصية غير كاشفة عن عدم المبالاة ولو بلغ من الكثرة ما بلغ