الَّتي لحقها صفة التوصّل ومن البين أنّها لا تتصف بهذه الصّفة إلا بعد وجودها ووجود الواجب بعدها فإذا اعتبرنا في متعلَّق الوجوب مقارنة للتوصّل لزم الأمر بشيء حاصل وهو قبيح لا يقول به هو ولا من هو دونه وهذا أيضا ليس بمراده قطعا وإن كان الثاني فالتوصّل حينئذ يصير شرطا متأخّرا على قياس سائر الشروط المتأخرة فيكون وجود الواجب بعدها كاشفا عن وجودها بصفة الوجوب قبله وأنت خبير بأنّ الشرط المتأخّر على فرض صحّته إنّما يتصوّر في الحكم لا في موضوعه لأنّ صحة الشرط المتأخر ترجع إلى انتزاع صفة اعتبارية منتزعة من وجوده المتأخّر والصفات الاعتبارية يمكن أن تكون معتبرة في حكم شرعي تعبّدا أمّا في موضوع الحكم فلا لأنّ صرف الاعتبار لا وجود له في الخارج والموضوع لا بدّ أن يكون موجودا خارجيا هذا وجه إجمالي لعدم تعقل الشرط المتأخر في الموضوعات مطلقا أمّا في خصوص المقام فأوضح امتناعا لأن الموصليّة صفة تنتزع من تقدير وجود الواجب وهذه الصّفة ليست مما يتوقف عليها حصوله كيف وقد انتزعت من فرض وجوده فكيف تكون مقدمة لوجوده وإذا لم يكن لها دخل في تحقق الواجب كان حالها كحال غير المقدمات بل أسوأ لتأخرها عنه فإن اعتبر في موضوع الوجوب فلا جرم يكون لجهة أخرى نفسيّة لا غيرية واعتبار شيء مطلوب لنفسه في مطلوب لغيره جمع بين المتنافيين ومن مضحكات الثكلى ولهذا قلنا إن اعتبار الموصلية في موضوع الواجب الغيري أوضح فسادا الثّاني أن مناط حكم العقل بوجوب مقدّمة الواجب ليس إلا حيثية مقدّميتها له وهي كونها بحيث يتمكن بإتيانها من الوصول إلى الواجب فإن العقل إنما يحكم بوجوبها لحصول التهيؤ والقدرة على الإتيان بالواجب فكل ما هو شرط لتمكن المكلَّف من الواجب من الأمور الاختيارية وجوديّا أو عدميا يجب الإتيان به عقلا تحصيلا للتهيؤ والقدرة الموقوف عليها الامتثال وإن شئت عبّرت عن الحيثية المذكورة بما ذكروه في تعريف المقدّمة ونبّهوا بذلك على مناط حكم العقل بوجوبها وقلت إن مناط حكم العقل هو كون الشيء بحيث يلزم من عدمه عدم الواجب وأمّا حيثية التوصّل وكونها موصلة إليه فهي صفة غير موجودة في المقدّمة حسبما عرفت فكيف يكون مناط حكم العقل لوجوبها شيء غير موجود فيها ومن ذلك يظهر أن تعبير بعض المحققين لمناط حكم العقل بحيث الإيصال ليس على ما ينبغي وليس بظاهره بل المراد ما ذكرنا من التهيّؤ للإيصال لا نفس الإيصال الثّالث أنّ حيثية التوصّل لو كانت معتبرة في تحقق الواجب لزم أن لا يحصل امتثال الأمر الغيري بإيجاد المقدّمة قبل ترتب ذيها عليها وبقاء الأمر المقدّمي بعد بحاله مع أن الامتثال حاصل بالوجدان والعيان إذ لولاه لم يكن فرق بين المقدّمة المأتي بها والمقدمة الغير المأتي بها في بقاء الأمر المقدّمي وعدم حصول الامتثال فيهما ويكونان على حدّ سواء والوجدان السّليم والعقل المستقيم لا يرتاب في الفرق بينهما من حيث الامتثال وجودا وعدما الرّابع لو سلَّمنا اعتبار قيد التوصّل في المقدّمة وأن الواجب هي المقدّمة الموصلة لا غيره لزم أيضا وجوب ذاتها وإن وجب إضافة التوصّل إليها لأنّ وجوب الكلّ قاض بوجوب الجزء ذهنيا أو خارجيّا فإذا وجب عتق المؤمنة فقد وجب ماهية العتق وشيء زائد وكذا الحال هنا فإنّه إذا وجب المقدّمة الموصلة فقد وجب ماهيتها وشيء زائد فما استدلّ على مراده من الأدلَّة على تقدير صحّتها على خلاف مقصوده أدلّ هذا إن أراد من الموصلة سلب الوجوب عن ذات المقدّمة وإثباتها للموصلة فإن الأدلَّة المذكورة غير ناهضة بذلك وإن أراد منها إخراج الغير الموصلة فالأدلَّة على فرض صحّتها ناهضة به هذا كلَّه ما يتعلَّق بحال المسألة أصلا ودليلا بقي الكلام في الثمرات المتفرعة على هذا الأصل بزعمه ومعظمها مسألة الضّدّ إذ عمدة ما دعاه إلى تأسيس هذا الأصل هو دفع إشكال لزوم اجتماع الأمر والنّهي في فعل الضّد الموسّع في وقت المضيّق والبناء على صحته على الوجه الَّذي سمعته آنفا وتوضيح الثمرة أن مقتضى مطلوبية ترك الضّدّ الموصل إلى الواجب مبغوضية ترك هذا الترك المقيد خاصة دون مطلق الترك فكلّ ترك قارن الإيصال إلى الواجب فهو الَّذي يعرضه الوجوب الغيري وأمّا الترك الغير الموصل فلا يعرضه بناء على الأصل المذكور فلو ترك المضيق واشتغل بهذا الموسّع لم يلزم في الموسّع اجتماع الأمر والنّهي في الضدّ إذ المفروض عدم كون ترك الموسّع مع وجود الصّارف عن المضيق موصلا فلا يكون واجبا حتى يكون تركه وهو الفعل حراما فاسدا لاجتماع الأمر والنّهي فيه وأمّا استحالة كونه واجبا لكون مقدّمته وهي ترك المضيق حراما فهي شبهة أخرى تفصّى عنها بتأسيس أصل آخر وهو الوجوب التعليقي حسبما مرّ الكلام فيه في محلَّه مفصّلا وأورد عليها بأن فعل الموسّع كالصّلاة مثلا ممّا لا إشكال في كونه نقيضا للمقدّمة المأمور بها وهي ترك الضّد الموصل إلى الواجب فلا جرم يكون حراما إذ لا شبهة في أنّه ترك لذلك الترك المأمور به فإن ترك الترك الموصل تارة يكون بتفويت صفة الإيصال كما إذا ترك الموسّع والمضيق معا فإنّه تارك أيضا للمقدّمة الموصلة إلا أنّ تركه متعلَّق بصفة الإيصال لا بأصل التّرك وأخرى بإعدام أصل الترك وجوهره كما لو ارتكب