بل وقال بعضهم إنّ ذلك من المسلمات عندهم ويظهر من بعض كلام المجيب أيضا وطلب العالي أمر حقيقي مطلقا والتّسفل لا يصلح للمانعية كما أن الاستعلاء لا مدخلية له في صدق الأمر غاية الأمر أنّه اجتمع الدّعاء الادعائي في صورة الاستخفاض مع الأمر الحقيقي ولا ضير فيه ويأتي في ذلك زيادة توضيح وتشريح فانتظر لتمام الكلام هنا وعلى هذا فلا يبقى الوجه لكلّ من الاستدلال المذكور والجواب عنه هذا وإن كان بأنحاء الطَّلب لا درجات الطالب فنقول إنّ حال المجيب حينئذ لا يخلو من أحد الأمرين فإمّا أن يقول بأن الاستعلاء أمر عدمي كما يظهر من العضدي في شرح كلام الحاجبي حيث قال وخرج بقيد الاستعلاء الدّعاء والالتماس إذ لو كان ذلك أمرا وجوديا للزمه إخراج شيء آخر به أيضا وهو عدم الاستعلاء فمن اقتصاره في الإخراج عليهما خاصة يظهر عدم شق رابع هنا أو يقول بأنّه أمر وجوديّ وهو التغليط بالصّوت كما صرّح به غير واحد منهم فعلى الأوّل يرجع كلام المستدلّ في أخذه الاستعلاء مع العلوّ إلى مقالة المجيب فلا كلام له عليه وعلى الثاني فإنّما هو يتمّ على أن يكون الطَّلب غير الإرادة وأمّا على ما هو الصّواب من أنّه عينها كما هو مذهب العدلية فلا لأنّ الإرادة الباطنية لا تنقسم إلى الأمر والدّعاء والالتماس بداهة فلو لم يكن وراءها شيء آخر في النفس يكون الطَّلب فكيف تنقسم إلى الأمور المذكورة وسيجيء توضيح المقام وتحقيق الكلام بما لا مزيد عليه إن شاء الله واحتجّ القائلون بعدم اعتبار شيء منهما بعد مقايسة الأمر بالخبر في عدم اعتبار شيء في مفهومه بقوله تعالى حكاية عن فرعون لملئه فما ذا تأمرون والجواب عن الأوّل بأنه ليس من مذهبنا القياس لا سيّما في إثبات اللَّغة وعن الثّاني أوّلا بأنّه مجرّد استعمال وليس دليلا على الحقيقة وثانيا ما عرفت من أنّه بعد قيام الدّليل على اعتبار العلوّ يتعيّن حمل الإطلاق المذكور على التجوّز أو الادّعاء والحاصل أن طلب العالي عن السّافل على نحو الإطلاق من دون تنزيل وادّعاء أمر وطلب السّافل كذلك دعاء وطلب المساوي على الوجه المذكور التماس و حينئذ فإذا استعلى السّافل وطلب من العالي فقد ادّعى علو الرّتبة فهو على حسب ادّعائه بمنزلة العالي فالطَّلب الصّادر منه بهذا الاعتبار يندرج تحت الأمر ادّعاء ويكون إطلاقه عليه حقيقة ادعائية وكذلك الحال إذا استسفل العالي فإنّه بسبب ادّعائه تسفل الرّتبة يكون بمنزلة السّافل والطَّلب الصّادر منه بذلك الاعتبار يندرج تحت الدّعاء ادّعاء وإطلاقه عليه حقيقة ادّعائية وقد ينزل العالي مخاطبة السّافل بمنزلة العالي ويطلق الأمر على ما عنده من الطَّلب فيرجع إلى الحقيقة الادعائية وكذا المساوي إذا استسفل أو أسفل فيكون طلبه أمرا أو دعاء فالإطلاق في جميع تلك الصّور مبني على التنزيل وادّعاء وحينئذ فيجتمع في كلّ مورد من تلك الموارد أمران من الأمور الثلاثة أحدهما على وجه الحقيقة والثّاني باعتبار التنزيل والادّعاء فيكون طلب العالي المستسفل أمرا حقيقيا ودعاء ادّعائيا ولو انعكس ينعكس الأمر فيكون دعاء حقيقة وأمرا ادّعاء وعلى هذا القياس حكم المساوي فيجتمع الالتماس مع الأمر والدّعاء كذلك فما ترى من الإطلاقات الواردة على غير وجهها وحقيقتها فإنّما هي محمولة على التنزيل والادّعاء حسبما قرّرنا ومن ذلك حكاية فرعون فإن إسناده الأمر إلى من هو دونه من الملإ حوله مبني إمّا على مجرّد تنزيل نفسه منزلة الدّاني أو تنزيله منزلة العالي ففي قوله تعالى ما ذا تأمرون وجهان وقيل وجه ثالث وهو ملاحظة حال الجنود فيما يصدر من الوزراء فإنّه أمر حقيقي بالقياس إليهم فظهر ممّا حققنا وجه اختلافهم في المقام وأنّه الخلط بين المجاز في الإسناد والمجاز في الكلمة حسب ما مرّت إليه الإشارة ثم الاشتباه بين الظَّهور الناشئ من الادّعاء بالظَّهور الناشئ من الوضع فمن اعتبر الاستعلاء فقط فقد لاحظ إطلاق الأمر عرفا على طلب المستعلي السّافل وزعم عدم صدقه على طلب العالي المستسفل وخفي عليه ما ذكرنا واشتبه عليه الإطلاق الناشئ من التنزيل والادّعاء بالإطلاق المستند إلى الوضع فزعم أنّ العبرة بالاستعلاء وتدور الحقيقة مداره وجودا وعدما وأمّا من اعتبر معه العلوّ أيضا فقد لاحظ إطلاق الدّعاء عرفا على طلب العالي المستسفل وغفل عمّا ذكرنا من أنّه إنما هو على التنزيل والادّعاء فزعم أن العبرة بهما معا ومن التأمّل فيما ذكرنا يظهر فساد ما عدا المختار من سائر الأقوال فافهم وتدبّر فإن المطلب دقيق جدّا وينبغي التنبيه على أمرين الأوّل أنّه هل يعتبر العلو في مصداق الأمر وهو اللَّفظ الدّال على الطَّلب كما يعتبر في مفهومه أم لا قولان أقواهما الأخير لأنّ نفس الصّيغة لم يلاحظ في وضعها صدور ما يستفاد منها عن العالي ولذا لا تدلّ عليها فلا يتوقف صدق الأمر عليها على الملاحظة المذكورة في وضعها ونظيره الصّدق فإنّه حقيقة في طائفة من الأخبار المطابقة للواقع واعتبر فيه المطابقة المذكورة ويدل بلفظه على اعتبار ذلك الملاحظة في مصداقه أي الكلام المطابق وأمّا مصداقه وهو زيد قائم مثلا لم يعتبر في وضعها تلك المطابقة فلا يدل إلَّا على انتساب المحمول إلى الموضوع ولا يدلّ على المطابقة وعدمها ولا يتوقف كونه مصداقا للصّدق دلالته على مطابقته للواقع نعم يعتبر في إدراجه تحت مفهوم الصّدق كونه مطابقا وأين هذا من دلالته عليها واعتباره فيه من حيث هو فافهم الثّاني أنّه صرّح الشّهيد في تمهيد القواعد بأنّه يعتبر في مصداق مادة الأمر أن يكون إنشاء فلو قال أطلب منك كذا ونحوه من الإخبار عن