< فهرس الموضوعات > الكلام في أن الأمر عرفا ولغة حقيقة في القول الدال على الطلب < / فهرس الموضوعات > < فهرس الموضوعات > الكلام في أنه هل يعتبر في حقيقة الأمر العلو أو الاستعلاء أو هما أو أحدهما أو لا يعتبر شيء منهما < / فهرس الموضوعات > ذهنه بين تلك المعاني وهذا آية كونه مشتركا بينهما لبداهة عدم إمكان التردّد فيما إذا كان حقيقة في أحدها ومجازا في الباقي وحيث عرفت بطلان الاشتراك اللَّفظي لو دار الأمر بينه وبين الاشتراك المعنوي فتعين الاشتراك المعنوي وربّما يظهر من بعض من اختار أنّ الأمر مجاز في الفعل الاستدلال عليه بصحة التصرّفات والاشتقاقات من لفظ الفعل دون الأمر بهذا المعنى ولو كان الأمر حقيقة في الفعل يصير مرادفا له ولازمه صحّة جميع التصرّفات والاشتقاقات الجائزة من لفظ الفعل فعدم صحّتها منه بهذا المعنى كاشف عن كونه مجازا فيه وفيه أنّ لفظ الفعل وكذا جميع المصادر من الضرب والقتل ونحوهما يلاحظ تارة من حيث إنّه أمر صادر عن الفاعل ويطلق عليه الحدث ويشتق منه بهذه الملاحظة وقد يلاحظ من حيث كونه موجودا من الموجودات وشيء في مقابل ما عداه من الموجودات وهو بهذا اللَّحاظ يصير مفعولا مطلقا لا يجوز الاشتقاق منه لأنّه بهذا الاعتبار من الجوامد الغير القابلة للاشتقاق كالشّيء والأمر بمعنى الفعل إنّما هو بالمعنى الثاني هذا ما يتعلَّق بالأمر بالمعنى الَّذي يجمع على الأمور وأمّا بالمعنى الَّذي يجمع على الأوامر وهو ما يقابل النّهي فقد اختلفوا في تحديده فعرّف بتعاريف عديدة وحيث إن اختلافهم في التحديد نشأ من الاختلاف بينهم في حقيقة المحدود وليس مجرّد الاختلاف في مقام التعبير والمؤاخذة في الطَّرد والعكس فلا يهمنا التعرض المحدود الَّذي ذكروه بل المهمّ به هو بيان حقيقة الأمر وما يعتبر فيه من القيود بحسب العرف واللَّغة وذلك يستدعي بيان أمور أحدها أنّ الأمر عرفا ولغة حقيقة في القول الدّال على الطَّلب لا القول المجرّد ولا الطَّلب الصّرف لا عن قول حسب ما مرّ سابقا فكلّ من القول والطَّلب معتبر في حقيقة الأمر أمّا اعتبار الطَّلب فلأن القول المجرّد وهو الصّيغة وإن يطلق عليه الأمر في مصطلح النحاة إلا أنّ المقصود هنا بيان معناه العرفي المقابل للنّهي الَّذي يأتي منه التصريف والاشتقاقات مثل أمر ويأمر وآمر ومأمور ومن الواضح أنّ الأمر بمعنى الصّيغة اسم لفظ كالماضي والمضارع والمستقبل لا يقبل التصريف والاشتقاق إلا بإشراب المعنى الحدثي فيه وهو باتخاذ الطلَّب قيدا له فإن قلت إنا نشاهدهم يجمعون الأمر بمعنى الصّيغة على الأوامر كما يكشف من ذلك مما عنونوا به البحث فإن مرادهم من لفظ الأوامر المصدّر به البحث صيغ الأوامر قلت إنّهم يرادون بها الصّيغ الدّالَّة على الطَّلب لا الصّيغ المجرّدة كما لا يخفى وأمّا اعتبار القول فمضافا إلى الإجماعات المحكية السّابقة فلأنّ الأمر باتفاق الكل من سنخ الكلام ومن مقولة الأقوال فلو جعل للطَّلب المطلق لزم خروجه عن سنخ الكلام مع أنّ صحّة سلب الأمر عن الطَّلب الحاصل بالإشارة والكتابة في العرف واللَّغة كصحّة سلب الصّدق والكذب عنه مقتضاه اعتبار القول في حقيقته نعم لا بأس بإلحاق الإشارة والكتابة باعتبار كونهما كاشفين وحاكمين عن الطَّلب القولي وبهذا الاعتبار ربما يتصفان بالصدق والكذب وسائر صفات الألفاظ ومن غرائب ما في المقام ما صدر عن بعض الأعلام حيث تمسّك لإثبات مرامه وهو أنّ الأمر حقيقة في الطَّلب المطلق بقوله تعالى يا أبت افعل ما تؤمر لإطلاق الأمر في هذه الآية على الطلب الَّذي توجه على الخليل عليه السلام في ذبح إسماعيل عليه السلام مع أنّه بالإلهام أو المنام الخارجين عن سنخ الكلام وفيه أوّلا أنّ الجاهل بكيفية الإلهام والوحي ومنامات الأنبياء كيف يدعى أنّه خارج عن مقولة الكلام والقول وثانيا سلَّمنا ذلك إلا أن ما ذكره مبني على أن يكون قوله تعالى ما تؤمر مستعملا في الماضي واستعمال المضارع في الماضي وإن كان جائزا بل واقعا إلا أنّه قليل مع أنه لا وجه لحمله عليه مع إمكان إبقائه على حقيقته بأن يكون غرضه عليه السلام أنك لما تصير مأمورا بما رأيته في المنام بنزول الوحي والإلهام فافعل ما تؤمر به وعليه فأطلق الأمر على ما سينزل به الوحي من الخطاب القولي لا على ما لهم به سابقا وثالثا لو سلَّمنا أن الأمر هنا أطلق على الطَّلب الحاصل بالمنام لا يقتضي إطلاقه الطَّلب الحاصل بغير القول لجواز استعمال الأمر على القول الدّال على الطَّلب ولو سمع المخاطب ذلك الخطاب القولي بالمنام أيضا فإنّه أيضا قول دالّ على الطَّلب و رابعا أنّ استعمال الأمر على مطلق الطَّلب لا يقتضي كونه حقيقة فيه لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز ومنه يظهر أنّه لا وجه لما استدلّ به على أنّ الأمر حقيقة في مطلق الطَّلب فتحصل ممّا ذكرنا أن كلَّا من القول والطَّلب مأخوذ في حقيقة الأمر عرفا ولغة فيكون كلّ منهما جزء الموضوع له وتمام الموضوع له هو القول الدّال على الطَّلب أو الطَّلب الحاصل بالقول كما صرّح به في التهذيب والقوانين فتدبّر وثانيها أن المعتبر في حقيقة الأمر هل هو الاستعلاء أو العلوّ أو هما معا أو أحدهما من غير تعيين أو لا يعتبر شيء منهما أوجه وأقوال الأوّل خيرة الأكثر بل ظاهر بعضهم دعوى الإجماع عليه والثّاني معزى إلى جمهور المعتزلة وبعض الشافعية وغير واحد من الإمامية والثّالث مال إليه في القوانين وحكاه عن جماعة من الأصوليين والرّابع اختاره بعض المحققين من متأخري المتأخرين والخامس محكي عن الأشاعرة ويعزى إلى ظاهر العضدي والبيضاوي والأصفهاني والأقوى عندي اعتبار العلوّ خاصّة وعدم كفاية الاستعلاء لنا على الأوّل أن المتبادر من قولك أمر فلان فلانا كون الأمر عاليا بالنّسبة إلى المأمور من غير انتقال إلى الاستعلاء وإظهار العلوّ من الآمر ولعدم صحّة سلب الأمر عن الطَّلب الصّادر من العالي