تقدير التنزل والمماشاة وتسليم عدم كون الورود عقيب الحظر قرينة صارفة نقول يثبت المدّعى وهو الرّخصة المطلقة بوجه آخر وهو منع اقتضاء الوضع لظهور الوجوب هنا لأنّه إنّما يكون مقتضيا لظهور الموضوع له عند عدم مصادمة ظهوره النوعي شيئا آخر له ظهور عرفا في إرادة خلاف الموضوع له وأمّا مع ذلك فغاية الأمر الإجمال ودوران المراد بين الأحكام الأربعة فمرجعه إلى التوقف وهذا أصل مطَّرد قد سبق تحقيقه في المجاز المشهور حيث قلنا إنّ شرط التمسّك بأصالة الحقيقة عدم احتفاف اللفظ بحال أو مقال صالح لتعويل المتكلَّم عليه في إفادة المعنى المجازي وقد ذكرنا له أمثلة مثل المعرّف بلام الجنس إذا صدر بعد معهودية بعض الأفراد وغير ذلك ممّا لا يخفى على الخبير العارف بالمحاورات وقد استدلّ أيضا بأنّ الحائض والنفساء مأمورات بالعبادة مع ورود الأمر بها بعد الحظر وبالتبادر في قولهم اخرج من المحبس إلى المكتب وبأنّ الحظر الشرعي كالحظر العقلي فكما أنّ الوارد عقيب الحظر العقلي يدل على الوجوب كذلك الواقع بعد الحظر الشرعي وأجوبة هذه كلَّها قد ظهرت ممّا ذكرنا في تحرير محلّ النّزاع بقي شيء وهو أنّ النهي الوارد عقيب الأمر هل هو أيضا لا يفيد سوى الإذن في الترك أو أنه يفيد التحريم ولو قلنا بعدم إفادة الأمر الواقع بعد الحظر الوجوب وربما يقال إن حال النهي والأمر على حدّ سواء والظَّاهر أنّه ليس كذلك خلافا لبعض الأعلام بل النهي يفيد التحريم مطلقا على القول به إذ لا معنى لحمله على الإباحة ولا على الاستحباب ولا على الكراهة في خصوص المقام كما لا يخفى وإنّما صار المتوقف إلى الرّخصة في الأمر الواقع بعد الحظر باعتبار قيام احتمال كون المراد بالصّيغة الإباحة الخاصّة لكثرة ورودها مستعملة على هذا الوجه مطلقا وفي خصوص موارد وقوعها بعد الحظر بالاعتبار ظهورها في الرّخصة المطلقة المجرّدة عن بعض الخصوصيّات بأن يكون المستعمل فيه هذا المفهوم العام بين الأحكام الأربعة ومن الواضح أنّ احتمال استعمال النهي في الإباحة الخاصّة ممّا لا مسرح له في الاستعمالات الواصلة لا في خصوص الواقع منه بعد الأمر ولا في غيره هذا على القول بالتوقف وأمّا على ما اخترنا من ظهور صيغة الأمر في نفس هذا المفهوم العام أعني الرخصة فلا يرد مثل ذلك في طرف النهي أيضا إذ استعمال صيغة لا تفعل في الإباحة المطلقة أيضا كما ترى بعيد عن مجاري استعمالاتها في المحاورات نعم احتمال الكراهة قائم هنا لكنه ممّا لا سبيل إلى دعوى ظهورها فيها بقرينة تعقيبها للأمر إذ لا شهادة له على الكراهة بوجه كما لا يخفى ولذا لم يلتفت إلى احتمال الاستحباب في الأمر الوارد عقيب الحظر من يلتفت إلى مقالته لا يقال النواهي الواردة في مقام الوجوب كثيرا ما يحمله الأصحاب على مجرد نفي الوجوب ومن ذلك ما ورد في المرأة الَّتي حاضت بعد أن كانت جنبا من النهي عن غسل الجنابة معلَّلا بأنّه قد جاء ما يفسد الصّلاة فحملوه على نفي الوجوب دون التحريم ومن ذلك قوله عليه السلام إذا استيقنت أنّك توضأت فإيّاك أن تحدث وضوءا حتّى تستيقن أنّك أحدثت ضرورة عدم حرمة الوضوء للشّاك في الحدث مطلقا فلا وجه لما ذكر من الفرق بين الأمر والنّهي في هذا المقام ولعلَّه إذا ذهب بعض الأعلام إلى أنّ النّهي المتعقب بالأمر لا يفيد أيضا سوى الرّخصة في الترك على ما نقل عنه لأنّا نقول الكلام في النواهي الشرعية دون الإرشادية والنواهي المتعلَّقة بالعبادات خصوصا الطَّهارات كلها إرشادية فيخرج عن المتنازع فيه النّهي في الحديث الأوّل فإنّ النّهي عن الاغتسال فيه إرشاد إلى فساده وعدم ترتب الفائدة عليه ومثله خارج عن هذه المسألة وأمّا النّهي في الحديث الثاني فهو وإن لم يكن للإرشاد نظرا إلى صحّة الوضوء وترتب الثواب عليه عند الشكّ في الحدث لكن لا بدّ من حمله على التشريع بأن يأتي بالوضوء قاصدا للوجوب ويؤيّده التعبير بلفظ إياك دون النّهي إذ قد عرفت أن ظاهر العناوين والأدلَّة في هذه المسألة لا تنطبق على أسماء الأفعال واللَّه العالم بحقائق الأحوال السّادس أنّك قد عرفت أنّ الوجوب النفسي العيني التعييني المطلق يستفاد من إطلاق الصّيغة وتجرّدها عن التقييدات الموجودة في أضداد هذا الوجوب أعني الغيري والكفائي والتخييري والمشروط وهذا إنما يناسب الألفاظ الموضوعة بإزاء الماهيّات المطلقة الكلَّية القابلة للإطلاق والتقييد لا فيما هو من قبيل الحروف في عموم الوضع وخصوصيّة الموضوع له كالصّيغة الَّتي هي من الأفعال الموضوعة كذلك بإزاء النّسب الجزئية القائمة بأطراف خاصّة في ضمن التراكيب الجزئية فإنّ مورد استعمال هذه الطائفة لا بدّ أن يكون جزئيا حقيقيا من جميع الجهات على ما سبق تحقيقه في مبحث الأوضاع وحسم هذا الإشكال بأحد وجوه أحدها أن يقال إنّ المستعمل فيه لهذه الألفاظ لا يلزم أن يكون جزئيا حقيقيا بل يجوز أن يكون إضافيّا كما ذهب إليه جملة من الأعلام منهم شيخ المحققين في هداية المسترشدين وثانيها أن يقال إن استعمالها في الخصوصيّات لا يراد به استعمالها في نفس الخصوصية بل إنما يراد به أن يكون مورد الاستعمال خاصّا وجزئيّا حقيقيا سواء كانت الخصوصيّة مرادة من نفس اللَّفظ أو من الخارج بأن يرجع الاستعمال في الخصوصية إلى نحو إطلاق الكلَّي على الفرد كما سبق أنّ هذا هو المختار للشيخ المذكور في بيان استعمال الصّيغة في القدر المشترك والثالث أن يلاحظ الإطلاق والتقييد بالقياس إلى المأمور به دون الأمر وهذا في غير الوجوب المطلق والمشروط لا إشكال فيه وأمّا فيهما فبأن يقال إنّ إطلاق الأمر بالحجّ مثلا عبارة عن مطلوبيّة الحج المطلق وتقييده بالاستطاعة مرجعه إلى طلب الحج المقيد بكونه بعد حصول الاستطاعة فالإطلاق والتقييد يلاحظان في المأمور به وإلَّا فنفس مدلول الأمر طلب جزئي حقيقي وليس طبيعة كلَّية مطلقة حتّى يتمسك بإطلاقها بل هو نظير ما لو علمنا بطرو التقييد على قولنا أعتق رقبة ولم ندر ما المقيد أهي المؤمنة أو الكافرة فكما لا إطلاق هنا كذلك لا إطلاق فيما نحن فيه وهذا أوجه مما في الأولين من المناقشات الَّتي أسلفناها سابقا مضافا إلى ما في الأوّل من عدم ارتفاع الإشكال بمجرّد كون المستعمل فيه الصّيغة جزئيا إضافيّا لأنّ ذلك إنّما هو بالقياس إلى متعلق النّسبة وكون المتعلَّق جزئيا إضافيا لا يجدي في المقام شيئا إذ المجدي أن يكون المعنى المستعمل فيه من حيث كونه طلبا كلَّيا قابلا للإطلاق والتقييد لا أن يكون كلَّيته باعتبار تعلَّقه بأمر كلَّي كالضرب مثلا إذ لا منافاة بين الكلَّية بهذا الاعتبار وبين كونه جزئيا حقيقيّا من حيث كونه مطلقا أو مشروطا نفسيّا أو غيريّا وهكذا هذا والتّحقيق في رفع الإشكال أن يقال إنّ المراد بإطلاق الطَّلب تجرد اللَّفظ الدال عليه عن قرينة التّقييد وهو يكفي في نفي احتمال الاشتراط أو شيء من التقييدات ولا يتوقف هذا النّفي على إحراز قابلية استعمال الصّيغة في الطَّلب المطلق الجامع بين الواجب المشروط والمنجّز بل لو علمنا بانحصار المستعمل فيه في أحد الفردين مثلا صحّ لنا الاحتجاج على التنجيز بتجرّد اللَّفظ عن قرينة الاشتراط وإن كان التّنجيز في معنى القيد لجنس الطَّلب الصّادق على المشروط والمنجّز قد تمّ الجزء الثّاني ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله بيد أقلّ الطَّلبة أبو القاسم في الرّابع والعشرين من محرّم الحرام