ذلك الثابت هو الَّذي ظنّ بثبوته له واقعا أعني مدلول الأمارة كالحرمة في المثال المزبور ومنه علم أنّ الحكم بأنّ المظنون أعني ثبوت الحرمة للخمر واقعي لا يستدعي العلم بذلك الثابت على وجه التفصيل بل يكفي العلم به إجمالا هذا ما بلغ إليه جهدي في كشف مراده رحمه الله فإن ساعده نظر الناظر وإلا فالمتهم هو فكري وممّا ذكرنا ظهر ما في حمل العلم على القدر المشترك بين اليقين والظنّ كما في المعالم فإنّ جميع ما ذكرناه من الإيرادات واردة عليه عدا الأوّل لأنّ استعمال العلم في القدر المشترك ليس على حدّ ندرة استعماله في خصوص من الظنّ بل يمكن أن يقال إنّ إطلاق العلماء على الفقهاء مبني على هذا الاستعمال نعم يمكن أن يقال بالفرق بين إطلاق العلم والعالم كما مرّ غير مرّة وعدا الثالث لأنّ الأدلة باعتبار شمولها للقطعيّة والظنية يصلح قرينة على تفسير العلم بالقدر المشترك لكن فيه كلام آخر وهو أنّ مجرّد وجود شيء صالح للقرينة لا يكفي في التجوز بل لا بدّ معه من عدم صلوح إرادة الحقيقة فعلى تقدير تصحيح التعريف بوجه يجوز معه إبقاء لفظ العلم على حقيقة لا يمكن الاعتماد على تلك القرينة نعم ربّما يتوقف في نظائر المقام لو تكافأ احتمال الحقيقة والمجاز كما سنبيّنه إن شاء الله في محلَّه لكن الكلام في تكافؤ الاحتمالين هنا وسيأتي أنّه لا ضرورة إلى صرف العلم عن ظاهره والجواب الثّاني ما في المنية والزبدة أيضا من أنّ المراد من العلم بالأحكام العلم بوجوب العمل بها لا بنفسها فلا يخرج الظنيّات لأنّها أيضا يجب العمل بها وفيه أنّه إن رجع إلى جواب الأوّل بناء على أن المراد به إبداء وجه المناسبة لإطلاق العلم على الفقه وأنه من قبيل إطلاق اسم المتعلَّق أي العمل على المتعلَّق أي الفقه كما قيل فقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه وإن أريد به استعمال لفظ العلم في العلم بوجوب العمل أو إضمار الوجوب في البين قبل الأحكام أو استعمال الأحكام في وجوب العمل بها فمع ما فيه من البشاعة خصوصا في الحدود أنه إن تعلَّق قيد عن أدلَّتها حينئذ بلفظ العلم فسد المعنى جدّا لأن العلم بوجوب العمل بالأحكام التي هي مداليل الأدلَّة ليس حاصلا من نفس تلك الأدلَّة الدّالة عليها كما لا يخفى بل من دليل عقلي أو شرعي قائم على حجيتها ومع ذلك فهذا العلم من المسائل الكلامية أو الأصولية دون الفقهيّة وإن تعلَّق بالأحكام اختلّ طرف التعريف لأنّ العلم بوجوب العمل بالأحكام الحاصلة عن الأدلَّة أمر ضروري في أمثال هذا الزّمان حاصل للمقلَّد والمجتهد على حدّ سواء وإن سلَّمنا كونه نظريّا فهو من المسائل الكلاميّة أو الأصولية والثالث أنّ المراد بالأحكام الظَّاهرية فلا تخرج المسائل الظنية لأن الأحكام الظاهرية في مجاري الظنون معلومة وإن كانت نفس الأحكام الواقعية الَّتي هي مداليل الأدلَّة مظنونة وهذا أحد احتمالي بعض أجوبة الزبدة واختاره بعض المحققين وربّما يظهر من الكلام المحكي عن المحقق الشّريف وفيه أنّه إن أريد بالأحكام الظَّاهريّة ما كان ثابت الفعل المكلَّف من حيث إنه مظنون الحكم ومشكوكه كما هو المتبادر من الظَّاهري مقابل الواقعي ففيه أولا خروج العلم بالأحكام الواقعية عن الأدلة القطعية وقد عرفت وجوب محافظة دخولها في التعريف خصوصا على مذاق هذا المحقّق ودعوى صدق الظَّاهري على الواقعي في صورة إصابة الطَّريق للواقع كما زعمه المحقق المزبور حيث زعم أن النّسبة بين الظَّاهري والواقعي عموم من وجه بديهة الفساد ضرورة تقابلهما بناء على كون المراد بالظَّاهري ما ذكرنا وكذا دعوى عدم انفكاك العلم بالظَّاهري من العلم الواقعي فيندرج صور العلم بالواقعي تحت التّعريف باعتبار العلم بالظَّاهري لأن الحكم الظَّاهري غير متصور مع العلم بالواقع كما لا يخفى وثانيا أنّه إن أريد بالأحكام الظَّاهرية الكلية الَّتي بيانها وظيفة الشارع ففيه ما مرّ سابقا من أنّ الأدلة التفصيلية ليس لها مدخليّة في العلم بالأحكام الظَّاهريّة الكلية لا من حيث الإن ولا من حيث اللَّم بل الدّخيل في العلم بها مثل الضّرورة والإجماع والعقل من الأدلَّة الإجمالية وإن أريد بها الأحكام الظَّاهرية الجزئية الفعليّة فهي أيضا غير مستفادة من جزئيّات الأدلَّة المتفرقة في أبواب الفقه بل منها بعد ضم كبرى كلية شرعية إليها كما مر ولو اكتفي في مدخليّة الأدلَّة بالمدخلية النّاقصة مثل أن يكون بعض مقدّمات الدليل وأريد من المدخلية أيضا ما يعم الإنية واللَّمية صحّ أن يقال إنّ العلم بالأحكام الظَّاهرية الجزئية حاصل عن الأدلَّة التفصيلية لكن يرد عليه حينئذ أنّ هذا خارج عن حقيقة الفقه كما عرفت سابقا لأنّ مناط الفقاهة هو العلم بالأحكام الكلية الَّتي من شأنها الوصول من الشّارع لا الأحكام الجزئية الَّتي ليست كذلك ومع ذلك ينتقض بعلم المقلَّد كما لا يخفى فيحتاج في إخراجه إلى اعتبار العهد في الأدلَّة فإنهم وإن أريد بالأحكام الظَّاهريّة غير معناه المتبادر أعني ما يظهر من الأدلَّة الظنيّة من الأحكام الواقعية ففيه أنّ الإشكال غير مرتفع بذلك لأنّ ما يظهر منها مظنون لا معلوم نعم إنّ الظَّاهري بهذا المعنى أعمّ من الواقعي لأنّه قد يكون عينه وقد يكون غيره فالنّسبة بينهما عموم من وجه فافهم وإن أريد بها ما يجب البناء عليه من الأحكام الخمسة سواء كان موضوعه نفس الفعل أو الفعل من حيث إنّه مشكوك الحكم أو مظنونه أعني القدر الجامع بين الأحكام الظَّاهريّة والواقعيّة فمع أنّه ممّا صرّح بخلافه وأنّه لا حاجة إلى حملها على الأعمّ من الأحكام الواقعية والظَّاهريّة يرد عليه ما ذكرنا في الاحتمال الأوّل فتفطن ومن جميع ما ذكرنا يظهر الكلام فيما جعله أوجه الوجوه في القوانين وما في الحاشية الَّتي علَّقها على ذلك الخامس ما ذكره في التهذيب ولعلَّه موافق للمحكي عن المحقّق الشّريف من أنّ ظنية الطَّريق لا ينافي قطعيّة الحكم وهذا الجواب لا يخلو عن إجمال لأن المراد به بعد القطع بعدم إرادة التّصويب الباطل إمّا الجواب الثاني كما فهمه شيخنا البهائي رحمه الله ويظهر من العميدي أيضا أو الثالث أي التّصويب في الحكم