الواقعي ، بناءً على ذلك فإنّ استحالة الجعل في الحالة المذكورة يمكن تصوّرها في مستويات ثلاثة ، إذ الحكم الظاهري إمّا أن يكون منافياً للحكم الواقعي في مبدأ الجعل ، أو في نفس الجعل ، أو في الأثر المترتّب على الجعل ، وسنثبت عدم المنافاة في هذه المستويات جميعاً . أمّا من جهة مبدأ الجعل ، فلأنّ المبدأ في الحكم الظاهري يختلف عنه في الحكم الواقعي ، على ما يذهب إليه السيّد الخوئي قدّس سرّه . وأمّا من جهة نفس الجعل ، فلأنّ الجعل اعتبار محض سهل المؤونة كما قرّره الأصوليون . وأمّا من جهة الأثر المترتّب على الجعل ، فلانّ أثر الحكم الواقعي المعلوم بالإجمال إمّا أن يكون حرمة المخالفة القطعية وهي غير حاصلة بناءً على مسلك التخيير ، أو وجوب الموافقة القطعية وهو منجّز على نحو الاقتضاء لا العلّية ، ومعنى ذلك أنّه معلّق على عدم ورود المرخّص الشرعي ، والمفروض وروده فيكون رافعاً لموضوعه . 3 . ما ذكره السيّد الخوئي أيضاً وهو أنّ الحكم الظاهري لا بدّ أن يكون محتمل المطابقة للواقع ، وإلاّ لاستحال جعله . والحال أنّ الحكم الظاهري في التخيير يعلم بعدم مطابقته للواقع ، فلا يمكن جعله ؛ ببيان : أنّه مع العلم إجمالاً بخمرية أحد الإنائين سيكون أحدهما حراماً مطلقاً إذا كان خمراً - أي لا تتقيّد هذه الحرمة بترك المباح - ويكون الآخر مباحاً مطلقاً أيضاً إذا كان ماءً في الواقع من غير أن تتقيّد إباحته بترك الآخر ، إلاّ أنّ التخيير الثابت في الحكم الظاهري يثبت إباحة أحدهما بشرط ترك الآخر ، فالحكم الظاهري يثبت الإباحة المقيّدة وهي منتفية واقعاً ، فيجزم بعدم مطابقة الحكم الظاهري للواقع ويستحيل جعله حينئذ [1] .
[1] دراسات في علم الأصول : ج 4 ص 361 ؛ مصباح الأصول ، مصدر سابق : ج 2 ص 355 .