والحاصل ممّا تقدّم : أنّ إشكال النافين لحجّية الدليل العقلي سينتهي بنا إلى قاعدة أساسية مفادها وقوع الخطأ والاشتباه في جميع العلوم على نحو القضية الحقيقية . فإن كان مدّعى النافين تامّاً وأنّ وقوع الخطأ في علم من العلوم يكون سبباً لعدم حصول اليقين والجزم بمسائل ذلك العلم ، فيعني ذلك إغلاق باب العلوم جميعاً ، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به . ومن أجل أن يبقى باب العلم مفتوحاً في ضوء القانون الرياضي المذكور فلا بدّ للباحث أن يكون دقيقاً ممحّصاً في مقام تطبيق القواعد المنطقية على صغرياتها ؛ الأمر الذي ينتج قلّة فرص واحتمالات الخطأ والاشتباه إلى أقلّ قدر ممكن . ولكي يكون البحث دقيقاً وصحيحاً على مستوى مواد هذه المقدّمات ، فلا بدّ أيضاً لتقليل فرص الخطأ والاشتباه ، من الجمع بين مصادر المعرفة من العقل والنقل ( إن أمكن ذلك ) . فلو وجدت قرائن نقلية وشواهد تؤيّد نتائج الاستدلالات العقلية وتتطابق معها فهذا يعني الاقتراب من الصحّة ومطابقة الواقع ، وأمّا لو كانت الشواهد النقلية على خلاف ما توصّلت إليه الاستدلالات العقلية ، فيوجد منهجان للتعامل مع هذه الحالة : 1 . المنهج المشّائي القائم على تأويل ما جاء به النقل ؛ لكي يتطابق مع معطيات العقل الصحيحة . 2 . أن تكون هذه القرائن والشواهد المخالفة للأدلّة العقلية ، بنفسها سبباً لأن يراجع المستدلّ ما أقامه من المقدّمات والأدلّة العقلية ويمحّصها من جديد ، فإن استحكم حكم العقل بعد المراجعة والتدقيق يصار حينئذ إلى التصرّف في ظواهر الأدلّة النقلية لا محالة .