العقلي ، فمع قبول إدراك العقل لقبح الظلم مستقلاًّ من دون تشريع مولويّ ، فمن المستحيل أن يوجد جعل شرعيّ طبقاً للإدراك العقلي المذكور . والمهمّ في هذا الوجه هو بيان الاستحالة المتصوّرة في المقام . إنّ العقل يحكم بحسن الصدق وقبح الكذب مع وجود المقتضي وارتفاع المانع ، وكذلك الحال في حسن العدل وقبح الظلم ، ومن الواضح أنّ هذا الإدراك العقلي بنفسه يحتوي على محرّكية في مورد الحسن ، وعلى انزجار في مورد القبح . وهذا الاتّجاه يقرّر بأنّ حكماً شرعيّاً مثل « الصدق واجب » أو « الكذب حرام » بنحو التأسيس يكون مستحيلاً في المقام . والسبب في ذلك أنّ الشارع حينما يحكم « بأنّ الصدق واجب » فالمكلّف إمّا أن يطيع هذا الحكم أو يعصيه ، وعلى الأوّل ستكون داعوية العقل ومحرّكيّته كافية في تحريكه وبعثه نحو الامتثال ، فيكون الحكم الشرعي تحصيلاً للحاصل ، وعلى الثاني نسأل : من أوجب إطاعة الحكم الشرعي المولوي ؟ الجواب : إنّ العقل هو الذي حكم بذلك ، وعليه فهذا الحكم الشرعي تجب طاعته في طول حكم عقليّ ، والمفروض أنّ المكلّف بصدد عصيان الحكم العقلي ، فالحكم الشرعي لا تأثير له على المكلّف حينئذ ، فسيكون جعله لغواً [1] . إلاّ أنّ هذا الاتّجاه غير تامّ ؛ وذلك ببيان : إنّ الملاك العقلي في حسن الأفعال وقبحها ليس متواطياً ذا درجة واحدة لكي يقال إنّ هذه الدرجة إمّا أن تحرّك المكلّف أو لا تحرّكه ، بل هو مشكّك ذو درجات متفاوتة قد تضعف وقد تشتدّ ، فقد تكون درجة ما لا تحرّك المكلّف ، إلاّ أنّ درجة أشدّ منها تكون قادرة على تحريكه وانبعاثه ؛ وعليه يمكن أن
[1] راجع دراسات في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 3 ص 33 .