العقلاء سيدركه الشارع ، وما يحكمون به سيحكم به أيضاً ، « ومن هنا ذكر أنّ التعبير بالتلازم مسامحة ، والأصحّ هو التعبير بالتضمّن ؛ لاندراج الشارع في العقلاء وضمن بنائهم الذي هو مدرك هذه القضايا العملية » [1] . أشكل الأستاذ الشهيد على هذا الاتّجاه بإشكالين : أحدهما : الإشكال المبنائي من أنّ الحسن والقبح أمران واقعيّان ثابتان في لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود وليسا أمرين تشريعيّين ، وحكم العقلاء لا يراد به سوى إدراكهم لهذه القضايا نفس الأمرية لا تشريعهم لها . ثانيهما : إنّ حكم العقلاء بحسن شيء أو قبحه إنّما يعود لإدراكهم المصالح أو المفاسد المترتّبة على ذلك الشيء ، فملاك الحسن والقبح عندهم هو إدراك المصالح والمفاسد الموجودة في الأفعال . ولكي يكون الشارع موافقاً لهم في الحكم بالحسن أو القبح ، لا بدّ أن نثبت في الرتبة السابقة وحدة المصالح والمفاسد بين الشارع والعقلاء . وهذا ممّا لم يثبت بدليل ، بل قد يكون الدليل قائماً على العدم ؛ لأنّ الشارع في كثير من الأحكام قد خطّأ العقلاء وحكم على خلاف حكمهم [2] . ويمكن أن يُقال بصدد ما أفاده قدّس سرّه : بأنّ الإشكال الأوّل مبنائيّ عائد إلى التحقيق في المسألة وما هو النظر الصحيح فيها ، وأمّا الثاني فنحن نقبل بأنّ الشارع يختلف عن العقلاء من جهة تحديد المصالح والمفاسد ، لكنّنا لو أثبتنا - ولو بنحو القضية الشرطية - أنّ الشارع حينما صار في مقام التشريع لبس لباس العقلاء في كيفيّة تشريعاته أيضاً ، فسيكون
[1] بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ص 57 . [2] المصدر نفسه : ص 58 .