نحو الاختيار ، ومن ثمّ لا بدّ من توسّط إرادة المكلّف واختياره في وقوع الفعل في عالم الامتثال . وهذا هو معنى أنّ حقيقة التكليف هي إيجاد الداعوية والمحرّكية عند المكلّف ، باعتبار أنّ الناس ليسوا جميعاً في المستوى الذي يقول : ما عبدتُك خوفاً من نار ولا طمعاً في جنّة . المقدّمة الثالثة : إنّ المحرّك لإرادة المكلّف هو نفس الصورة العلمية المتحقّقة في أفق نفسه ، وليس المحرّك الواقع بما هو واقع ، فإنّ هذا الأخير لا يكون محرّكاً ، كما هو الحال في الأغراض التكوينيّة . فالعطشان الذي لا يعلم بوجود الماء في المكان المعيّن يستحيل عليه التحرّك نحوه بالرغم من وجود الماء واقعاً ، بل المحرّك هو خصوص الصورة العلمية التي توجد للماء في ذهن العطشان ، ونعني بالصورة العلمية الأعمّ من المطابقة وغير المطابقة للواقع ؛ لأنّ كلّ عالم يرى أنّ علمه مطابق للواقع لا محالة . والكلام بعينه يجري في الأغراض التشريعيّة ، فإنّ المحرّك للمكلّف نحو الإتيان بالفعل هو خصوص علمه بتكليف المولى في هذه الواقعة ، سواء أكان هذا التكليف موجوداً واقعاً أم لا . بناءً على هذه المقدّمات فإنّ المكلّف لو اعتقد بوجود تكليف للمولى في الواقعة المعيّنة ، فسيكون هناك تكليف ولو كان اعتقاده غير مطابق للواقع ، وعليه فلو خالف ذلك التكليف سيكون عاصياً ، ونستنتج أنّ التجرّي محرّم شرعاً كالمعصية [1] . لا يقال : إنّ المولى قد يكون أخذ في تكاليفه قيد مطابقتها للواقع . لأنّه يقال : إنّ التكليف بهذا النحو غير مقدور للمكلّف ، ويستحيل صدوره من الحكيم .
[1] راجع أجود التقريرات : ج 2 ص 23 ؛ فوائد الأصول ، مصدر سابق : ج 3 ص 38 .