هذه الأمور ، كما هو واضح . والحال أنّ عالم الآخرة لا يحتاج فيه إلى حفظ النوع والفرد ؛ لأنّ الحياة هناك أبدية خالدة . ومن هنا طرح التساؤل عن الملاك الحقيقي لجعل اللذائذ في عالم الآخرة بعد امتناع تصوّر حفظ النوع والفرد ؟ والكلام بعينه آت في المقام أيضاً ، فإنّ جعل العقوبات في المجتمعات العقلائية ، إمّا للتشفّي وإمّا لحفظ النظام ، وكلا هذين الأمرين غير متصوّر في العالم الآخر ، وعليه فلا بدّ من تخريج مسألة العقاب والعذاب الإلهي استناداً إلى ملاك آخر . هذا مضافاً إلى أنّ البحث في المقام عقليّ لا عقلائيّ ، فإنّ مرجع الاستدلال بالسيرة العقلائية ، إلى أنّ المولى جرى بذلك مجرى العقلاء ، ولازمه رجوع الحسن والقبح والثواب والعقاب إلى الأعراف العقلائية ، وهو خلاف مبنى من يعتقد أنّ الحسن والقبح من الأمور العقلية . ثمّ لو كان تشريع العقوبة لأجل حفظ النظام فكيف يتصوّر استحقاق العقوبة لو كان الإنسان العاصي يعيش منفرداً ؟ ! اللّهمَّ إلاّ أن يُقال إنّ المولى سبحانه وتعالى إنّما شرّع العقوبات لأجل كمال الإنسان ورقيّه في مراتبه الوجودية ، فلو لم تشرّع مثل هذه العقوبات لا يرتدع عن مخالفة الأوامر الإلهية التي تأخذ بيده نحو الكمال ؛ وبذلك يكون منشأ العقوبات واللذائذ أيضاً هو ملاك استكمال الإنسان . إلاّ أنّ هذا الكلام وإن كان صحيحاً في الجملة ولكنّه لا يثبت المطلوب ، لأنّ ثمّة نحواً من أفراد الإنسان يرتقون إلى الكمال ومراتب القرب الإلهي من غير حاجة لخوف من نار أو طمع في جنّة ، مضافاً إلى