الاحتمال الثاني : يقوم على التمييز بين ذات الفعل بما هو ، وبين الفعل فيما لو صدر من فاعل . فتارةً يكون مصبّ الحسن والقبح واحداً وهو ذات الفعل مجرّداً ، وأخرى لا يكون الفعل في نفسه قبيحاً ولا حسناً ولكنّه يكتسب ذلك لو نسب إلى فاعل معيّن ، ومن أمثلة ذلك الأكل في الطرقات فإنّه ليس بقبيح في نفسه ولكنّه يكون قبيحاً فيما لو صدر من مرجع تقليد مثلاً . في ضوء هذا التفسير يثبت المحقّق النائيني عدم قبح الفعل المتجرّى به في نفسه بالرغم من كونه قبيحاً عند نسبته إلى فاعله ، وهذا الاحتمال قريب ممّا أفاده في تقرير بحثه . ثمّ إنّ هذا التصوّر قائم على أنّهم ينظرون إلى الأفعال بما هي من جهة حسنها أو قبحها ، فإن أدرك العقل حسن فعل في نفسه أو قبحه كذلك ، حكموا بأنّ الشارع لا بدّ أن يحكم بوجوب هذا الفعل أو حرمته تبعاً لحكم العقل . مناقشة رأي النائيني إلاّ أنّ هذا الكلام قابل للمناقشة من عدّة جهات . فقد ذكرنا في أبحاثنا الكلامية عند التعرّض لمسألة العدل الإلهي أنّ الفعل في نفسه ومن دون نسبته إلى فاعل معيّن ، لا معنى لاتّصافه بالحسن أو القبح ، وقلنا إنّ ذلك يعود إلى أمرين : أحدهما : أنّ معنى الحسن والقبح - كما حُقّق في محلّه - هو الانبغاء وعدم الانبغاء ، وهذا يعني أن نفترض أنّ هناك فاعلاً مختاراً لكي يتّصف الفعل بأنّه ينبغي أو لا ينبغي .