والعكس بالعكس ؛ ضرورة أنّه كلّما كان الموجود أقرب إلى الكمال المطلق كان أكمل في وجوده من غيره . في ضوء هاتين الحقيقتين ينبثق السؤال التالي : بماذا يتحقّق القرب من الله عزّ وجلّ ، وبماذا يتحقّق البُعد عنه سبحانه وتعالى ؟ الجواب كما دلّت عليه النصوص القرآنية : إنّ الوصول إلى القرب الإلهي ونيل الكمال لا يتحقّق للإنسان إلاّ بالعبودية للحقّ عزّ اسمه ، وفي مقابل ذلك فإنّ السبب الأساسي في البُعد عنه تعالى هو التمرّد والطغيان الذي يرتكبه المكلّف في حقّ مولاه الحقيقي . فالعبودية هي التي ترفع الإنسان إلى درجات الكمال ، وبعكسها التمرّد الذي يهوي بالإنسان إلى حضيض البُعد عن ساحة الحقّ عزّ وجلّ . استناداً إلى هذه الحقيقة ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ سبب اللعنة التي نالها إبليس ليس هو عدم السجود لآدم بما هو عدم سجود ، بل هو ذلك الاستكبار والتمرّد والطغيان الذي كان سبباً لعدم السجود . من هذا المنطلق أيضاً يمكن القول بأنّ جملة من الأحكام الشرعية التي جاءت بها الشريعة أمراً ونهياً لا تتضمّن مصالح ومفاسد واقعية في نفسها . نعم ، بعد أن أمر الشارع بها أصبحت ذات مصلحة من خلال انقياد العبد وطاعته لمولاه وعدم الخروج عن رسم عبوديّته وحدود مولويّته عند امتثاله لتلك الأوامر . واستناداً إلى معطيات هذه الحقيقة فإنّ كثيراً من العبادات إنّما شرّعت لا لأجل مصالح واقعية فيها ، بل شرّعها المولى سبحانه وتعالى لغرض ترويض عباده على الانقياد والعبودية والتسليم له عزّ وجلّ . من أبرز الأمثلة التي تقرّب هذه الحقيقة هو أمر الله عزّ وجلّ نبيّه