تحرير محلّ النزاع لا ريب أنّ هذه المسألة تنتمي في أصلها المعرفي إلى مباحث علم الكلام ، فإنّه لا بدّ من معرفة أنّ التجرّي هل يمثِّل مصداقاً للظلم القبيح عقلاً ؟ فقد ثبت في محلّه من مباحث علم الكلام أنّ كلّ حسن أو قبح يدركه العقل فإنّ مرجعه إلى الإدراك العقلي الحاكم بحسن العدل وقبح الظلم ، وهذا يعني أنّ الشيء لا يكون مصداقاً للحسن العقلي إلاّ إذا كان مصداقاً للعدل أوّلاً ، ولا يكون مصداقاً للقبح العقلي إلاّ إذا كان مصداقاً للظلم أوّلاً ؛ ضرورة أنّ العقل يدرك إدراكاً أوّلياً قضيتي حسن العدل وقبح الظلم . وسيأتي الكلام مفصّلاً حول هذا الإدراك العقلي في اللاحق من فقرات هذا البحث . في ضوء الوجوه التي ذكرها الأعلام لإثبات قبح التجرّي عقلاً ينبغي أوّلاً تحرير محلّ النزاع في هذه المسألة : بناءً على مولوية الحقّ سبحانه وتعالى يحكم العقل بقبح المعصية ولا إشكال بينهم في صحّة هذا الحكم العقلي ، إلاّ أنّ الكلام وقع في بيان الملاك الذي ينشأ منه قبح المعصية ، أي لماذا أدرك العقل قبحها ؟ في هذا المجال وُجدت احتمالات ثلاثة : 1 - أنّ نفس وجود التكليف في الواقع منجّز على المكلّف ، سواء