المقام الثاني : مدركات العقل العملي فقد وقع الكلام من قبل المحدّثين حول عدم إمكان التعويل على العقل العملي لإثبات الحكم الشرعي ؛ لقصوره في مقام الكشف أيضاً ، واستدلّوا على ذلك بوقوع الاختلاف بين الأعراف والمجتمعات فيما يرجع إلى مدركات العقل العملي . وقد أجاب الأستاذ الشهيد عن ذلك : « بأنّ مدركات العقل العملي لا خلاف فيها في نفسها - أعني فيما يدركه العقل بنحو الاقتضاء - أنّه لا ينبغي أو ينبغي . فالكذب مثلاً لو لوحظ في نفسه يحكم العقل بأنّه يقتضي أن لا يرتكب . والصدق فيه اقتضاء أن يكون هو الصادر من الإنسان ، ولكن قد يقع التزاحم بين هذه المقتضيات كما إذا لزم من عدم الكذب الخيانة مثلاً ، فيتزاحم اقتضاء الصدق للحسن مع اقتضاء الخيانة للقبح ، وفي هذه المرحلة قد يقع اختلاف بين العقلاء في الترجيح وتقييم أحد الاقتضائين في قبال الآخر . فتشخيص موازين التقييم والتقديم في موارد التزاحم هو الذي قد يكون غائماً يشوبه الشكّ أو الخطأ ولا يكون بديهياً أوّلياً بل ثانوياً ، وعليه فالاختلاف بين العقلاء في بعض مدركات العقل العملي لا يوجب تشكيكاً في أصل إدراكات هذا العقل » [1] .