الاتجاه الثاني : القصور في الكشف هذا الاتّجاه يقرّر قصور « الدليل العقلي بلحاظ كاشفيته بمعنى أنّه لا يصلح لتكوين اليقين بالحكم الشرعي » [1] . ولعلّ هذا المعنى هو الذي ينسجم مع مباني المحدّثين خصوصاً الأسترآبادي ، في نفي حجّية الدليل العقلي . « وحاصل ما يُذكر من قبلهم لتقرير ذلك : أنّا إذا لاحظنا المدركات العقلية رأينا شيوع الخطأ والاشتباه فيها ، إذا استثنينا من ذلك جملة من فروع الرياضيات وعلم الحساب والهندسة . وقد حاول الأسترآبادي أن يبرّر ذلك بأنّها بحسب موادّها حسّية أو قريبة من الحسّ أو من البديهيات التي هي قضايا واضحة كالحسّية . وأمّا غير الرياضيات من العلوم العقلية النظرية ، فلا تكون موادّها حسية أو قريبة منها ؛ ولهذا يكثر فيها الخطأ والاشتباه ولا يصحّ التعويل عليها ، ويندرج في ذلك بحوث الفلسفة والأصول العقلية » [2] . والحاصل أنّ هذا الاتّجاه يقرّر أنّ الاستدلالات العقلية التي يشيع فيها الخطأ والاشتباه ، لا تكون أحسن حالاً من الاستناد إلى القياس والاستحسان والمصالح المرسلة التي لا تفيد إلاّ الظنّ والتخمين بالأحكام الشرعية . وعليه يكون القصور في عالم كشف الدليل العقلي عن الحكم الشرعي .
[1] بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ص 124 . [2] المصدر نفسه : ص 125 .